للمصحف الذي جمع الناسَ عليه، وهو الذي بلسان قريش١. ومن ذلك: تحريق الصدِّيق للفجاءة السُّلَميِّ٢. ومن ذلك: اختيار عمر ﵁ للناس إفرادَ الحجِّ، وأن يعتمروا في غير أشهر الحج٣، فلا يزال البيت الحرام معمورًا بالحجاج والمعتمرين.
ومن ذلك [٢٥٢/أ] منع عمر ﵁ الناسَ من بيع أمهات الأولاد، وقد باعوهن في حياة رسول الله ﷺ وحياة أبي بكر ﵁ وأرضاه٤. ومن ذلك: إلزامه بالطلاق الثلاث لمن أوقعه بفم واحد عقوبةً له، كما صرَّح هو به٥، وإلا فقد كان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من إمارته هو يجعل واحدةً٦؛ إلى أضعاف أضعاف ذلك من السياسات العادلة التي ساسوا بها الأمة، وهي مشتقَّة من أصول الشريعة وقواعدها.
وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة، وكتقسيم آخرين الدين إلى نقل وعقل٧. وكلُّ ذلك تقسيم باطل، بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل= كلُّ ذلك ينقسم إلى
قسمين: صحيح، وفاسد. فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها، والباطل ضدُّها ومنافيها. وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها، وهو مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالة النبي١ﷺ بالنسبة إلى كلِّ ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يُحْوِج أمته إلى أحد بعده، وإنما حاجتُهم إلى من يبلِّغهم عنه ما جاء به. فلرسالته عمومان محفوظان٢ لا يتطرق إليهما تخصيص: عمومٌ بالنسبة إلى المرسل إليه، وعمومٌ بالنسبة إلى كلِّ ما يحتاج إليه مَن بُعِثَ إليه في أصول الدين وفروعه. فرسالته كافية شافية عامَّة، لا تُحْوِج إلى سواها. ولا يتمُّ الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلَّفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به.
وقد توفي رسول الله ﷺ، وما طائرٌ يقلِّب جناحيه في السماء إلا ذكَّر الأمَّةَ٣ منه علمًا. وعلَّمهم كلَّ شيء حتى آداب التخلِّي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود، والأكل والشرب، والركوب والنزول، والسفر والإقامة، والصمت والكلام، والعزلة والخلطة، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت.
(١) في النسخ المطبوعة: «رسالته».
(٢) أثبت في المطبوع من إحدى النسخ: «عمومات محفوظات» مع إثبات «إليهما» في نعته، ومع ذكر عمومين فقط فيما بعد!
(٣) كذا في ز، ك مع تشديد الكاف من «ذكَّر». ونحوه في حديث أبي ذر في «مسند أحمد» (٢١٤٣٩): «إلا ذكَّرَنا منه علمًا»، وفي (٢١٣٦١): «أذكرنا». وفي ب: «ذكر للأمة»، وكذا في النسخ المطبوعة.