منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تُكملها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقولٍ خارجٍ عنها؟ ومن ظنَّ ذلك فهو كمن ظنَّ أن بالناس حاجةً إلى رسول آخر بعده. وسببُ هذا كلِّه خفاءُ ما جاء به على من ظنَّ ذلك، وقلةُ نصيبه من الفهم الذي وفَّق الله له أصحابَ نبيِّه، الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عما سواه، وفتحوا به القلوب والبلاد، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا، وهو عهدُنا إليكم.
وقد كان عمر ﵁ يمنع من الحديث عن رسول الله ﷺ خشية أن يشتغل الناس به عن القرآن١، فكيف لو رأى اشتغالَ الناس بآرائهم وزَبَدِ أفكارهم وزُبالةِ أذهانهم عن القرآن والحديث؟ فالله المستعان.
وكيف يشفي ما في الصدور كتابٌ لا يفي هو وما تُبيِّنه السنة بعُشْر معشار الشريعة؟ أم كيف يشفي ما في الصدور كتابٌ لا يستفاد منه اليقين في مسألة واحدة من مسائل معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، أو عامَّتُها
(١) رواه ابن عساكر (٤٧/ ١٤٢)، والحافظ في «الإصابة» (١/ ٦٩).
(٢) ب: «وقد قال الله تعالى»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) في النسخ الثلاث: «وأنزلنا عليك».
ظواهر لفظية دلالتها موقوفة على انتفاء عشرة أمور لا يُعلَم انتفاؤها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
ويا لله العجب! كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع هذه القوانين التي أتى الله بنيانها من القواعد، وقبل استخراج هذه الآراء والمقاييس والأوضاع؟ أهل كانوا مهتدين مكتفين بالنصوص، أم كانوا على خلاف ذلك، حتى جاء المتأخرون، فكانوا أعلمَ منهم، وأهدى وأضبط للشريعة منهم، وأعلم بالله وأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع١ عليه منهم؟ فوالله لأن نلقى الله٢ بكلِّ ذنبٍ ما خلا الإشراكَ به٣ خيرٌ من أن نلقاه بهذا الظن الفاسد والاعتقاد الباطل.
فصل
وهذه نبذة يسيرة من كلام الإمام أحمد في السياسة الشرعية:
قال في رواية المرُّوذي٤ وابن منصور: المخنَّث ينفى لأنه لا يقع منه٥ إلا الفساد والتعرض له. وللإمام نفيُه إلى بلد يأمن فساد أهله، وإن خاف به عليهم حبَسَه٦.
(١) في النسخ المطبوعة: «وما يمتنع» بزيادة «ما».
(٢) في النسخ المطبوعة: «يلقى الله عبده»، زادوا «عبده» لما صحفوا «نلقى»، و«نلقاه» فيما يأتي إلى «يلقى» و«يلقاه».
(٣) «به» ساقط من النسخ المطبوعة.
(٤) في النسخ المطبوعة بالزاي كما في ب.
(٥) في ز، ك: «منهم»، والمثبت من ب و«بدائع الفوائد».
(٦) ورد قول الإمام أحمد هذا وما يليه في «بدائع الفوائد» (٣/ ١١٢١ - ١١٢٢) بعنوان «فوائد من السياسة الشرعية نصَّ عليها الإمام أحمد». وانظر رواية المروذي مختصرة في «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (١/ ٢٧٩).