ــ والله أعلم ــ النهي عما شابه طعامَ النصارى. يقول: لا تشُكَّنَّ فيه، بل دَعْه. فأجابه بجوابٍ عامٍّ، وخصَّ النصارى دون اليهود، لأن النصارى لا يحرِّمون شيئًا من الأطعمة، بل يبيحون ما دبَّ ودرَج من الفيل إلى البعوض.
وسأله ﷺ عُقبة بن عامر، فقال: إنك تبعثنا، فننزل بقوم لا يَقْرُوننا، فما ترى؟ فقال: «إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا. فإن لم يفعلوا فخُذوا منهم حقَّ الضيف الذي ينبغي لهم». ذكره البخاري١.
وعند الترمذي٢: إنا نمُرُّ بقوم، فلا يضيِّفوننا، ولا يؤدُّون ما لنا عليهم من الحق، ولا نحن نأخذ منهم. فقال: «إن أبوا إلا أن تأخذوا قِرًى فخذوه»٣.
وعند أبي داود٤: «ليلة الضيف حقٌّ على كلِّ مسلم، فإن أصبح بفنائه محرومًا كان دَينًا عليه، إن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه». وعنده أيضًا: «من نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوه، فإن لم يَقْرُوه فله أن يُعْقِبَهم بمثل قِراه»٥.
وهو دليل على وجوب الضيافة، وعلى أخذ الإنسان نظيرَ حقِّه ممن هو
(١) برقم (٦١٣٧) ومسلم (١٧٢٧).
(٢) برقم (١٥٩٣) من حديث عقبة بن عامر. وفيه ابن لهيعة، وقد رواه عنه قتبية فأُمِن اختلاطه. حسنه الترمذي، ثم ذكر متابعة الليث بن سعد لابن لهيعة. فالحديث حسن، ويقوّيه ما تقدم عند المصنف.
(٣) لفظ الترمذي: «أن تأخذوا كَرْهًا فخذوا».
(٤) برقم (٣٧٥٠) وقد تقدَّم.
(٥) برقم (٤٦٠٤) وقد تقدم أيضًا.
عليه إذا أبى دفعه. وقد استُدِلَّ به في مسألة الظفر، ولا دليل فيه، لظهور سبب الحق هاهنا، فلا يتهم الآخذ، كما تقدَّم في قصة هند مع أبي سفيان.
وسأله ﷺ عوف بن مالك، فقال: الرجلُ أمُرُّ به، فلا يَقْريني ولا يضيِّفني، ثم يمُرُّ بي، أفأجزيه؟ قال: «لا، بل اِقْرِه». قال: ورآني ــ يعني النبي ﷺ ــ رثَّ الثياب، فقال: «هل لك من مال؟». قال: قلت: من كلِّ المال قد أعطاني الله: من الإبل والغنم. [٢٥٥/أ] قال: «فَلْيُرَ عليك». ذكره الترمذي١.
وسئل ﷺ عن جائزة الضيف، فقال: «يومه وليلته. والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة. ولا يحِلُّ له أن يثوِيَ عنده حتى يُحْرِجَه». متفق عليه٢.
فصل
وسئل ﷺ عن العقيقة، وكأنه٣ كره الاسم، وقال: «من وُلِد له مولود فأحبَّ أن ينسُكَ عنه فليفعل». ذكره أحمد٤.
(١) برقم (٢٠٠٦) وقد تقدم.
(٢) البخاري (٦١٣٥) ومسلم (٤٨) من حديث أبي شريح الكعبي.
(٣) في النسخ المطبوعة: «وكان»، وعلَّق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في نشرته: «ولعله «وكأنه» كما فيما يليه». قلت: وهو الثابت في نسخنا الخطية.
(٤) برقم (٦٨٢٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ورواه أيضًا أبو داود (٢٨٤٢)، والنسائي (٤٢١٢)، من طرق عن داود بن قيس عن عمرو بن شعيب موصولًا. ورواه أبو داود (٢٨٤٢)، والبيهقي (٩/ ٣١٢) من طريق القعنبي عن داود بن قيس عن عمرو بن شعيب مرسلًا. انظر: «التمهيد» (٤/ ٣٠٤)، و«تهذيب السنن» (٢/ ٢٨٤، ٢٨٥)، و«الفتح» (٥/ ٥٩٢).