أحدها: الرأي المخالف للنص. وهذا مما يُعلَم بالاضطرار من دين الإسلام فسادُه وبطلانُه، ولا تحِلُّ الفتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه مَن وقع بنوع تأويل وتقليد.
النوع١ الثاني: هو الكلام في الدين بالخَرْص والظن، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها. فإنَّ مَن جهِلها وقاس برأيه فيما سئل عنه بغير علم، بل لمجرَّدِ قدرٍ جامعٍ بين الشيئين ألحَق أحدَهما بالآخر، أو لمجرَّدِ قدرٍ فارقٍ يراه بينهما يفرِّق بينهما في الحكم، من غير نظرٍ إلى النصوص والآثار= فقد وقع في الرأي المذموم الباطل، فضلَّ، وأضلَّ٢.
النوع الثالث: الرأي المتضمِّن لتعطيل٣ أسماء الربِّ وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهلُ البدع والضلال من الجهمية والمعتزلة والقدرية ومن ضاهاهم، حيث استعمل أهله قياساتهم الفاسدة وآراءهم الباطلة وشُبَهَهم الداحضة في ردِّ النصوص الصحيحة الصريحة؛ فردُّوا
(١) "النوع" ساقط من ت.
(٢) في ع: "فصل وأصل" بالصاد المهملة فيهما. ويظهر أن هذا التصحيف قد وقع في النسخة المعتمدة في بعض الطبعات القديمة. فلما قرؤوه متصلًا بما بعده: "فصل وأصل النوع الثالث" حذفوا "وأصل" إلا في نشرة الوكيل، إذ لا معنى له هنا، وهكذا سقط: "فضلَّ وأضلَّ" من المتن، ووجد فيه فصل جديد! أما طبعة دار ابن الجوزي فاستدركت الساقط بين حاصرتين، ثم أثبتت لفظ "فصل" أيضًا!
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: "تعطيل". ولعله تصرف من بعض النساخ أو الناشرين.
لأجلها ألفاظَ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رُواتها وتخطئتهم، ومعانيَ النصوص التي لم يجدوا إلى ردِّ ألفاظها سبيلًا، فقابلوا النوعَ الأولَ بالتكذيب، والنوعَ الثانيَ بالتحريف والتأويل.
فأنكروا لذلك رؤيةَ المؤمنين ربَّهم في الآخرة، وأنكروا كلامَه وتكليمَه لعباده، وأنكروا مباينتَه للعالم، واستواءَه على عرشه، وعلوَّه على المخلوقات، وعمومَ قدرته على كلِّ شيء. بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجنِّ والإنس عن تعلُّق قدرته ومشيئته وتكوينه بها١، ونفَوا لأجلها حقائقَ ما أخبَر به عن نفسه وأخبر به رسولُه من صفات كماله ونعوت جلاله. وحرَّفوا لأجلها النصوصَ عن مواضعها، وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأي المجرَّد الذي حقيقتُه أنه زُبالةُ الأذهان، ونُحاتة٢ الأفكار، وعُصارة٣ الآراء ووساوس الصدور. فملؤوا به الأوراق سوادًا،
(١) في النسخ المطبوعة: "لها"، تصحيف.
(٢) كذا في جميع النسخ. وقد جمع المؤلف بينها وبين الزبالة في قوله في النونية: طوبى لهم لم يعبؤوا بنُحاتة الْـ ... أفكار أو بزُبالة الأذهانِ وقال فيها أيضًا: جاؤوكم بالوحي لكن جئتمُ ... بنحاتة الأفكار والأذهان وانظر: "إغاثة اللهفان" (١/ ٢٠٦) و"اجتماع الجيوش" (٢/ ٥٨). وفي النسخ المطبوعة: "نخالة"، وكذا وقع في "اجتماع الجيوش" (٢/ ٥٤) و"الصواعق" (٢/ ٤٣٣)، وأخشى أن يكون تصحيفًا مع صحة معناه.
(٣) ع: "عقارة"، وفي غيرها: "عفارة"، وكذا في النسخ المطبوعة، ولا معنى لها بالفاء ولا بالقاف. والكلمات التي استعملها المؤلف في هذا السياق: النُّفاية، والكناسة، مع الزبالة، والنحاتة. ولعل الصواب ما أثبت. وكذا في بعض النسخ المعتمدة في المطبوع.