وفي لفظ لهما٢: «لا عدوى، ولا طيرة. ويعجبني الفأل». قالوا: وما الفأل؟ قال: «كلمة طيبة».
ولما قال: «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة» قال له رجل: أرأيت البعير يكون به الجَرَبُ، فتجرَب الإبل. قال: «ذاك القدر. فمَن أجرب الأول؟». ذكره أحمد٣.
ولا حجة في هذا لمن أنكر الأسباب، بل فيه إثبات القدر، وردُّ الأسباب كلِّها إلى الفاعل الأول؛ إذ لو كان كلُّ سبب مستندًا إلى سببٍ قبله، لا إلى غايةٍ= لزم التسلسلُ في الأسباب، وهو ممتنع. فقطع النبيُّ ﷺ التسلسلَ بقوله: «فمن أعدى الأول»٤، إذ لو كان الأول قد جَرِب بالعدوى، والذي قبله كذلك، لا إلى غاية= لزم التسلسل الممتنع.
وسألته ﷺ امرأة، فقالت: يا رسول الله، دارٌ سكنَّاها، والعدد كثير، [والمال]٥ وافر؛ فقلَّ العدد، وذهب المال. فقال: «دعُوها ذميمةً». ذكره
(١) البخاري (٥٧٥٥) ومسلم (٢٢٢٣) من حديث أبي هريرة.
(٢) البخاري (٥٧٧٦) ومسلم (٢٢٢٤) من حديث أنس.
(٣) برقم (٤٧٧٥) من حديث ابن عمر. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٦٩٢١) وابن ماجه (٨٦). وفيه الكلبي، ضعيف. والحديث ضعفه البوصيري في «المصباح» (١/ ٥٣)، وانظر: «الصحيحة» (٧٨٢).
(٤) رواه البخاري (٥٧١٧) ومسلم (٢٢٢٠) من حديث أبي هريرة.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ الخطية، واستدركناه من «الموطأ».
مالك مرسلًا١.
وهذا موافق لقوله ﷺ: «إن كان الشؤم في شيء، فهو في ثلاثة: في الفرس، والدار٢، والمرأة». وهو إثبات لنوع خفي من الأسباب، لا يطلع عليه أكثر الناس، ولا يعلم إلا بعد وقوع مسبَّبه. فإن من الأسباب ما تُعلَم سببيته قبل وقوع مسبَّبه وهي الأسباب الظاهرة، ومنها ما لا تُعلَم سببيته٣ إلا بعد وقوع مسبَّبه وهي الأسباب الخفية. ومنه قول الناس: فلان مشؤوم الطَّلْعة، ومدوَّر الكعب٤، ونحوه. فالنبي ﷺ أشار إلى هذا النوع، ولم يبطله.
وقوله: «إن كان الشؤم في شيء فهو في ثلاثة» تحقيقٌ لحصول الشؤم منها٥، وليس نفيًا لحصوله من غيرها، كقوله: «إن كان في شيء تتداوَون به شفاءٌ ففي شَرْطةِ مِحْجَم، أو شربة عسل، أو لذعةٍ بنار. ولا أُحِبُّ الكيَّ». ذكره البخاري٦.
(١) رواه مالك (٢/ ٩٧٢) من طريق يحيى بن سعيد مرسلًا. ورواه أبو داود (٣٩٢٤)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٩٤٤)، والبيهقي (٨/ ١٤٠) من طريق عكرمة بن عمار. وإسناده حسن، وصححه ابن عبد البر «التمهيد» (٢٤/ ٦٨).
(٢) خك: «في الدار»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) هنا في النسخ: «يعلم سببه» خلافًا لما سبق. وأثبت في المطبوع كذا في الموضعين. والصواب ما أثبتنا، وكذا في الطبعات القديمة مع تذكير الفعل.
(٤) من أمثال المولدين. انظر: «مجمع الأمثال» للميداني (٣/ ٣٦٦).
(٥) في النسخ المطبوعة: «فيها».
(٦) برقم (٥٦٨٣) من حديث جابر بن عبد الله. ورواه أيضًا مسلم (٢٢٠٥).