والتابعين ﵃، أنه القولُ في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغالُ بحفظ المعضِلات والأغلوطات، وردُّ الفروع١ بعضها على بعض قياسًا، دون ردِّها على أصولها والنظرِ في عللها واعتبارها؛ فاستُعمِل فيها الرأيُ قبل أن تنزل، وفُرِّعت وشُقَّتْ٢ قبل أن تقع، وتُكُلِّم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظن. قالوا: وفي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيلُ السنن، والبعثُ على جهلها، وتركُ الوقوف على ما يلزم الوقوفُ عليه منها ومن كتاب الله ﷿ ومعانيه. واحتجُّوا على ما ذهبوا إليه بأشياء".
ثم ذكر٣ من طريق أسد بن موسى، ثنا شريك، [٣٨/أ] عن ليث، عن طاوس، عن ابن عمر قال: لا تسألوا عمَّا لم يكُن؛ فإنِّي سمعتُ عمرَ يلعن مَن يسأل عمَّا لم يكن.
ثم ذكر٤ من طريق أبي داود، ثنا إبراهيم بن موسى الرازي، ثنا
(١) في "الجامع": "الفروع والنوازل".
(٢) في النسخ المطبوعة: "شقِّقت"، وكذا من "الجامع".
(٣) برقم (٢٠٣٦) من طريق أسد به، ورواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ٢١) من طريق مسروق بن المرزبان، عن شريك، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر. وخالفه جرير بن عبد الحميد، فرواه عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، أخرجه عنه أبو خيثمة في كتاب "العلم" (١٤٤) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في "الجامع" (٢٠٦٧)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ١٣) ــ. وهذا أشبه، على أن ليثًا ــ وهو ابن أبي سُليم ــ ضعيف شديد التخليط. ورواه الدارمي (١٢٣) عن مسلم بن إبراهيم، عن حماد بن يزيد المنقري، عن أبيه، عن ابن عمر. وهذا سند فيه جهالة.
(٤) برقم (٢٠٣٧). ورواه الإمام أحمد (٢٣٦٨٨)، وأبو داود في "السنن" (٣٦٥٦)، وعبد الله بن سعد مجهول. ويُنظر: "المسند" لأحمد (٢٣٦٨٧)، و"العلل" للدارقطني (٧/ ٦٧).
عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن عبد الله بن سعد، عن الصُّنابِحي، عن معاوية أن النبيَّ ﷺ: نهَى عن الأُغلُوطات.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي بإسناده مثله١.
وقال٢: فسَّره الأوزاعي: يعني: صعابَ المسائل٣.
وقال الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عبد الله بن سعد، عن عُبادة بن نسي، عن الصُّنابحي٤ عن معاوية بن أبي سفيان أنهم ذكروا المسائل عنده، فقال: أتعلمون٥ أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن عُضَل المسائل؟٦.
(١) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (٢٠٣٨) من طريق ابن أبي شيبة به. ووقع في "المسند" لابن أبي شيبة (٩٧٣): عن الصنابحي، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، ثم قال: يقولون: هو معاوية هذا الرجل اهـ. ويَحْسُنُ تأمّل ما في "إتحاف الخيرة المهرة" للبوصيري (١/ ٢٣٦).
(٢) يعني ابن عبد البر.
(٣) رواه الإمام أحمد (٢٣٦٨٧)، وفيه: "شداد المسائل وصعابها". وانظر: "غريب الحديث" للخطابي (١/ ٣٥٤).
(٤) في النسخ: "عبادة بن قيس الصنابحي"، وهو تحريف وخلط. والتصحيح من "جامع بيان العلم" (٢٠٣٩).
(٥) في "الجامع": "أما تعلمون".
(٦) كذا رواه ابن عبد البر في "الجامع" (٢٠٣٩)، ووقع عنده ذكر الصنابحي بين عبادة بن نسي ومعاوية. ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٩/ ٣٦٨)، وفي "مسند الشاميين" (٢٢٣٣)، ولم يقع عنده ذكر الصنابحي، مع أن الطبراني وابن عبد البر روياه من حديث علي بن عبد العزيز البغوي، عن سليمان الواسطي، عن الوليد. ولم يَرِدْ عند الدارقطني أيضًا حين ساق هذا الوجه في "العلل" (٧/ ٦٧). والحاصل أن ذكر الصنابحي من هذا الوجه مُدرجٌ، لا وجه له، إلا أن يكون من تخليط سليمان الواسطي وتلوُّنه؛ فهو مُتّهمٌ قد نزكوه. ويُضْعِفُ هذا الاحتمالَ أن مداره على الحافظ الشهير علي بن عبد العزيز البغوي.