إعلام الموقعين

وقوله: [٤٠/أ] ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ أراد نوع تلك المسائل، لا أعيانها. أي قد تعرَّض قومٌ من قبلكم لأمثال هذه المسائل، فلما بُيِّنت لهم كفروا بها، فاحذروا مشابهتَهم والتعرُّضَ لما تعرَّضوا له.

ولم ينقطع حكمُ هذه الآية، بل لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا له ساءه، بل يستعفي ما أمكنه، ويأخذ بعفو الله.

ومن هاهنا قال عمر بن الخطاب ﵁: "يا صاحب الميزاب١، لا

  1. (١) ت: "المقرات"، كذا بالتاء المفتوحة، والصواب: المِقْراة وهي أولى بالإثبات في المتن، وإن لم أرها في رواية، بل الوارد: "يا صاحبَ الحوض"، فإن المقراة بمعنى الحوض. وقد جاءت في حديث آخر أخرجه الدارقطني في "السنن" (٣٤) عن ابن عمر قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فسار ليلًا، فمرُّوا على رجلٍ جالسٍ عند مِقراةٍ له، فقال عمر: يا صاحبَ المقراة، أوَلَغَتِ السباعُ الليلةَ في مِقراتك، فقال له النبي ﷺ: "يا صاحبَ المقراة لا تُخبِرْه، هذا تكلُّف. لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شرابٌ وطهورٌ".
    وكأنَّ "الميزاب" في النسخ تصحيف "المقرات" الوارد في ت. ولكنَّ المشكل ما ورد في "إغاثة اللهفان" للمصنف (١/ ٢٨٠). قال: "مرّ عمر بن الخطاب ﵁ يومًا، فسقط عليه شيء من ميزاب، ومعه صاحب له. فقال: "يا صاحبَ الميزاب، ماؤك طاهر أو نجس؟ فقال عمر: يا صاحبَ الميزاب، لا تُخبرنا، ومضى. ذكره أحمد".
    وقد ورد نحوه في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٥٧، ٥٢١، ٦٠٧)، (٢٢/ ١٨٤)، وفي الموضع الأخير: "وقد ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه مرَّ هو وصاحب له بمكان، فسقط على صاحبه ماء من ميزابٍ ... ".
    وقال ابن مفلح في "الفروع" (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤): " ... لحديث عمر ﵁ في الميزاب".
    فهل هذا أثر آخر ثبت عن عمر كما قال شيخ الإسلام؟ وذكره أحمد كما قال المصنف؟ فإن الأثر الذي أخرجه الإمام مالك وغيره فيه ورودُ عمر بن الخطاب وصاحبه عمرو بن العاص حوضًا، وسؤالُ عمرٍو صاحبَ الحوض: هل ترد حوضك السباع؟ ثم هو منقطع كما ترى في تخريجه الآتي. أما "أثر الميزاب" ففيه أن ماءً منه قَطَر على صاحب عمر، فنادى صاحبَ الميزاب. فهما أثران مختلفان في المعنى، ولكن لم أقف على "أثر الميزاب" هذا. وأخشى أن يكون استدلال الإمام أحمد في مسألة الميزاب بأثر الحوض قد أدَّى بعد خلط وتصحيف إلى هذه الصورة الجديدة له، والله أعلم.
154

تُخْبِرْنا" لما سأله رفيقُه عن مائه: أطاهرٌ أم لا١؟

وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربَّه أن يبدي له من أحواله وعاقبته ما طواه عنه وستَره، فلعله يسوءه إن أبدي له. فالسؤالُ عن جميع ذلك تعرُّضٌ لما يكرهه الله، فإنه سبحانه يكره إبداءَها، ولذلك سكتَ عنها. والله أعلم.

فصل

قالوا٢: ومن تدبَّر الآثارَ المرويَّة في ذمِّ الرأي وجدها لا تخرج عن

  1. (١) رواه مالك في "الموطأ" (٦٢)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٢٥٠)، وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٤٢٢)، والدارقطني في "السنن" (٦٢)، والبيهقي في "السنن الكبير" (١/ ٢٥٠)، وفي "معرفة السنن" (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، وفي "الخلافيات" (٩٢٧)، وسنده ضعيف؛ لانقطاعه.
  2. (٢) في ت كُتب في حوض لام "فصل": "قال أبو عمر"، يعني أن "ومن تدبر الآثار ... " قول ابن عبد البر. فقد استطرد المصنف إلى شرح قول ابن عباس عن الصحابة: "ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ﷺ" ثم تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآية، ثم رجع إلى كتاب ابن عبد البر (٢/ ١٠٦٢) فنقل هذه الجملة بتصرف.
155

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي