وقال أبو زرعة١: ثنا أبو مُسْهِر قال: كان سعيد بن عبد العزيز إذا سئل لا يجيب حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. هذا الرأي، والرأي يخطئ ويصيب.
وقد روى أبو يوسف والحسن بن زياد كلاهما عن أبي حنيفة أنه قال: علمنُا هذا رأي، وهو أحسَنُ ما قدَرنا عليه. ومن جاءنا بأحسَن منه قبِلناه منه٢.
وقال الطحاوي: ثنا محمد بن [٤١/ب] عبد الله بن عبد الحكم، ثنا أشهب بن عبد العزيز قال: كنتُ عند مالك، فسئل عن "البتَّة"٣، فأخذتُ ألواحي لأكتب ما قال، فقال لي مالك: لا تفعل، فعسى في العشيِّ أقول: إنها
(١) هو الدمشقي في "التاريخ" (١/ ٣٢٦)، وعنه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٣٩٩) عن أبي مسهر به. وسنده صحيح. ومن طريق أبي زرعة رواه أيضًا ابن حزم في "الصادع" (٣٤٠) و"الإحكام" (٦/ ٥٧)، وابن عساكر في "التاريخ" (٦٠/ ٢١٧ - ٢١٨). ورواه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٤٠٠)، وأحمد بن عبد الله بن نصر بن بجير في الفوائد (٥) ــ وعنه أبو طاهر المخلص في الجزء الخامس من الفوائد الغرائب المنتقاة (٣) ــ ومن طريقه ابن الجوزي في المنتظم (٧/ ١٧٢) ــ عن علي بن عثمان النفيلي، عن أبي مسهر به.
(٢) أخرجه ابن حزم في "الصادع" (٣٤٢) وهو مصدر المؤلف. ونقله الذهبي في "مناقب أبي حنيفة وصاحبيه" (ص ٣٤) عن الحسن بن زياد، ونحوه عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. وانظر: "الإحكام" (٦/ ٥٨، ١٨٥) و"كتاب الروح" للمصنف (ص ٧٤١) و"مجموع الفتاوى" (٢٠/ ٢١١).
(٣) يعني طلاق البتة.
واحدة١.
وقال معن بن عيسى القزَّاز: سمعتُ مالكًا يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في قولي، فكلُّ ما وافق الكتاب والسنةَ فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه٢.
فرضي الله عن أئمة الإسلام، وجزاهم عن نصيحتهم للأمة خيرًا. ولقد امتثل وصيّتَهم وسلك سبيلَهم أهلُ العلم والدين من أتباعهم.
وأما المتعصِّبون، فإنهم عكسوا القضية، ونظروا في السنَّة فما وافق أقوالَهم منها قبلوه، وما خالفها تحيَّلوا في ردِّه أو ردِّ دلالته. وإذا جاء نظيرُ ذلك أو أضعفُ منه سندًا ودلالةً وكان يوافق قولَهم قبلوه، ولم يستجيزوا ردَّه، واعترضوا به على منازعيهم، وأشاحوا٣، وقرَّروا الاحتجاجَ بذلك السند ودلالته. فإذا جاء ذلك السندُ بعينه أو أقوى منه، ودلالته كدلالة ذلك أو أقوى منه في خلاف قولهم؛ دفعوه ولم يقبلوه. وسنذكر من هذا إن شاء الله طرفًا عند ذكر غائلة التقليد وفساده، والفرقِ بينه وبين الاتباع.
(١) أخرجه ابن حزم في "الصادع" (٣٤٤) وسنده صحيح. وانظر نحوه في "ترتيب المدارك" (١/ ١٩٠) و"الموافقات" (٥/ ٣٣٢).
(٢) رواه أحمد بن مروان الدينوري في "مناقب مالك" [نقل سندَه ابنُ عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٤٣٦)]، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٤٣٥) ــ وعنه ابن حزم في "الصادع" (٣٤٥) و"الإحكام" (٦/ ٥٦) ــ؛ من طريقين عن إبراهيم بن المنذر الحزامي، عن معن بن عيسى به.
(٣) أشاح: أعرض وجدَّ في الإعراض. وشيَّحَ: نظر إلى الخصم وضايقه. انظر "تاج العروس" (شيح).