قدَّم حديثَ القهقهة١، مع ضعفه على القياس والرأي. وقدَّم حديثَ الوضوء بنبيذ التمر٢ في السفر، مع ضعفه على الرأي والقياس. ومنَعَ٣ قَطْعَ السارق بسرقةِ أقلَّ من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعيف٤. وجعل أكثرَ الحيض عشرة أيام، والحديثُ فيه ضعيف٥. وشرَطَ في إقامة الجمعة المصرَ، والحديثُ٦
فيه ضعيف كذلك٧. وترك القياسَ [٤٢/ب] المحضَ في مسائل الآبار لآثارٍ فيها غيرِ مرفوعة٨. فتقديُم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) كتب بعضهم في طرَّة ح مع علامة صح: "وقدَّم حديثَ". ونحوه في طرَّة ت أيضًا.
(٤) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٦٩٠٠) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، وآفتُه حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف مدلّس. ويُنظر: "الجامع" للترمذي عقب الحديث (١٤٤٦)، و"السنن" للدارقطني (٣٤٢١ - ٣٤٣٣، ٣٤٥٢)، و"مسند أبي حنيفة" لابن خسرو (٦١٤، ٦١٥، ٩١٥)، و"جامع المسانيد" للخوارزمي (٢/ ٢٢٠)، و"تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي (٤/ ٥٥٥ - ٥٥٦)، و"نصب الراية" للزيلعي (٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠).
(٥) تقدَّم تخريجه.
(٦) رواه أبو يوسف في "الآثار" (ص ٦٠) عن أبي حنيفة بلاغا، وهذا معضلٌ ساقطٌ. ويُنظر: "المصنف" لعبد الرزاق (٥١٧٥، ٥١٧٦، ٥١٧٧، ٥١٨١، ٥٧١٩)، و"الإتحاف بتخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٤/ ٢٣)، و"نصب الراية" له (٢/ ١٥٩)، و"الدراية" لابن حجر (١/ ٢١٤)، و"سلسلة الأحاديث الضعيفة" للألباني (٩١٧).
(٧) لم يرد "كذلك" في ح، ف. و"ضعيف" ساقط من س، ع والنسخ المطبوعة.
(٨) في الباب آثار كثيرة، رواها عبد الرزاق في "المصنف" (٢٦٩ - ٢٧٦)، وأبو عبيد في "الطهور" (١٧٦ - ١٨٥)، والطحاوي "شرح معاني الآثار" (١/ ١٧ - ١٨)، وغيرُهم. ويحسُن تأمل كلام أبي عبيد في كتابه "الطهور" (ص ١٤٥ - ١٤٩).
القياس والرأي١ قولُه وقولُ الإمام أحمد. وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخِّرين، بل ما يسمِّيه المتأخرون حسنًا قد يسمِّيه المتقدمون ضعيفًا، كما تقدَّم بيانه٢.
والمقصود: أن السلف جميعهم على ذمِّ الرأي والقياس المخالف للكتاب والسنة، وأنه لا يحِلُّ العملُ به لا فُتيا٣ ولا قضاءً، وأنَّ الرأي الذي لا يُعلَم مخالفتُه للكتاب والسنَّة ولا موافقتُه، فغايتُه أن يسوغ العملُ به عند الحاجة إليه، من غير إلزام ولا إنكار على من خالفه.
قال أبو عمر بن عبد البرِّ٤: ثنا عبد الرحمن بن يحيى، ثنا أحمد بن سعيد بن حزم، ثنا عبد الله٥ بن يحيى بن يحيى٦ عن أبيه أنه كان يأتي ابنَ وهب فيقول له: من أين؟ فيقول له: من عند ابن القاسم. فيقول له ابنُ وهب: اتَّقِ الله؛ فإنَّ أكثر هذه المسائل رأي٧.
(١) زاد بعضهم في طرَّة ح، ت: "فهذا"، وفي ف: "فهو".
(٢) في (ص ٦٥).
(٣) ت: "لإفتاءٍ".
(٤) في "جامع بيان العلم" (٢١٧٥)، وعنه ابن حزم في "الصادع" (٣٥٨) و"الإحكام" (٦/ ٥٤) عن عبد الرحمن بن يحيى به، وسنده صحيح.
(٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وكذا في بعض نسخ "الصادع" ــ مصدر المؤلف ــ وملخص إبطال القياس (ص ٦٨) وأصل "جامع بيان العلم". والصواب: عبيد الله كما في "الإحكام" ومطبوعتي "الصادع" و"الجامع".
(٦) ف: "عبد الله بن يحيى" فقط. وكذا في أكثر النسخ المطبوعة.
(٧) لم ينقل ابن حزم ــ والمؤلف صادر عن كتابه ــ أول هذا الأثر، وهو قول يحيى بن يحيى الليثي: "كنتُ آتي ابنَ القاسم، فيقول لي: من أين؟ فأقول: من عند ابن وهب، فيقول: اللهَ اللهَ، اتَّقِ الله، فإن أكثر هذه الأحاديث ليس عليها العمل. قال: ثم آتي ابنَ وهب ... " إلخ. انظر: "جامع بيان العلم" و"ترتيب المدارك" (٣/ ٣٨٦).