وقال الحافظ أبو محمد١: ثنا عبد الرحمن بن سلَمة، ثنا أحمد بن خليل، ثنا خالد بن سعد٢، أخبرني محمد بن عمر بن لُبابة٣، ثنا أبان بن عيسى بن دينار قال: كان أبي قد أجمع على ترك الفتيا بالرأي، وأحبَّ الفتيا بما روي من الحديث، فأعجلته المنيةُ عن ذلك.
وقال أبو عمر٤: وروى الحسن بن واصل عن الحسن٥ أنه قال: إنما هلك مَن كان قبلكم حين تشعَّبت بهم السُّبُل، وحادوا عن الطريق، وتركوا الآثار، وقالوا في الدين برأيهم، فضلُّوا وأضلُّوا.
قال أبو عمر٦: وذكر نُعَيم بن حماد، عن أبي معاوية، عن الأعمش،
(١) في "الصادع" (٣٥٩) و"الإحكام" (٦/ ٥٥)، وعنه الحميدي في "جذوة المقتبس" (ص ٤٣٣) عن عبد الرحمن بن سلمة به.
(٢) في النسخ الخطية والمطبوعة: "سعيد"، والتصحيح من مصادر التخريج. وخالد بن سعد حافظ ناقد من أئمة الحديث. انظر ترجمته في "جذوة المقتبس" (ص ٢٩٧) و"سير أعلام النبلاء" (١٦/ ١٨).
(٣) في النسخ الخطية والمطبوعة: "كنانة"، تصحيف. انظر ترجمة ابن لبابة في "جذوة المقتبس" (ص ١١٦) و"ترتيب المدارك" (٤/ ٢٣٨).
(٤) تعليقًا في "جامع بيان العلم" طبعة الزمرلي (٢/ ٢٦٩). وفي طبعة الزهيري (٢/ ١٠٥٠): "عن الشعبي". والحسن هذا هو ابن دينار، وهو واهٍ تالفٌ، وهو معروف بالرواية عن الحسن البصري. وعزاه إلى الحسن أيضًا الشاطبي في "الاعتصام" (١/ ١٧٨).
(٥) "عن الحسن" ساقط من ع والنسخ المطبوعة.
(٦) تعليقًا في "جامع بيان العلم" (٢٠٢٧) عن نعيم بن حماد به، ونعيمٌ ضعيفٌ، على فضله وإمامته في السنة.
عن مسلم [٤٣/أ]، عن مسروق: من يرغَبْ برأيه عن أمر الله يَضِلَّ.
وذكر ابن وهب قال: أخبرني بكر بن مُضَر١ عن رجل من قريش أنه سمع ابنَ شهاب يقول، وهو يذكر ما وقع فيه الناسُ من هذا الرأي وتركِهم السُّنَنَ، فقال: إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي كان بأيديهم حين اشتقُّوا٢ الرأي وأخذوا فيه٣.
وذكر ابن جرير في كتاب "تهذيب الآثار" له عن مالك قال: قُبِضَ رسول الله ﷺ، وقد تمَّ هذا الأمر واستكمل. فإنما ينبغي أن تُتَّبع آثارُ رسول الله ﷺ، ولا يُتَّبع الرأيُ؛ فإنه من اتَّبع الرأيَ جاء رجلٌ آخرُ أقوى منه في الرأي فاتَّبعه، فأنت كلَّما جاء رجلٌ غلبك اتبعتَه٤.
وقال نُعيم بن حماد: ثنا ابن المبارك، عن عبد الله بن وهب أنَّ رجلًا جاء إلى القاسم بن محمد، فسأله عن شيء، فأجابه. فلما ولَّى الرَّجلُ دعاه، فقال له: لا تقل: إنَّ القاسم زعَم أنَّ هذا هو الحقُّ، ولكن إذا اضطُرِرتَ إليه
(١) ما عدا س، ت: "نصر"، تصحيف.
(٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وفي"جامع بيان العلم" (٢٠٢٨): "استبقوا". وقد سبق بلفظ "اتبعوا".
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
(٤) "جامع بيان العلم" لابن عبد البر (٢٠٧٢). ورواه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٧٨٩ - ٧٩٠) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في "الجامع" (٢١١٧)، والخطيب في "تاريخ مدينة السلام" (١٥/ ٥٤٥) ــ عن الحسن بن الصباح البزار، عن إسحاق بن إبراهيم الحنيني، عن مالك به، والحنيني هذا رجل صالح، ولم يكن بذاك القوي، وله عن مالك غرائب وأوابد.