إعلام الموقعين

أحدُهم يرى الرأيَ، فينزل القرآن بموافقته؟ كما رأى عمر في أسارى بدر أن تُضرَب أعناقُهم، فنزل القرآن بموافقته١. ورأى أن تُحجَب نساءُ النبيِّ ﷺ، فنزل القرآن بموافقته. ورأى أن يُتَّخَذ من مقام إبراهيم مُصلًّى، فنزل القرآن٢ بموافقته. وقال لنساء النبيِّ ﷺ لما اجتمعن في الغيرة عليه: عسى ربُّه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن مسلماتٍ مؤمناتٍ، فنزل القرآن بموافقته٣. ولمَّا تُوفِّي عبد الله بن أُبَيٍّ قام رسولُ الله ﷺ ليصلِّي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوبه، فقال: يا رسول الله إنه منافق. فصلَّى عليه رسولُ الله ﷺ، فأنزل الله ﷿٤: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]٥.

وقد قال سعد بن معاذ لمَّا حكَّمه النبيُّ ﷺ في بني قريظة: إني أرى أن تُقتَل مقاتلتُهم، [٤٥/أ] وتُسْبَى ذريتُهم٦، وتُغنَم أموالُهم. فقال النبي ﷺ: "لقد حكمتَ فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات"٧.

  1. (١) انظر حديث ابن عمر عن عمر في "صحيح مسلم" (٢٣٩٩).
  2. (٢) لفظ "القرآن" ساقط من ت، ع.
  3. (٣) ذكرت هذه الأمور الثلاثة في حديث أنس عن عمر في "صحيح البخاري" (٤٠٢).
  4. (٤) ع: "فأنزل الله عليه". وكذا في المطبوع.
  5. (٥) أخرجه البخاري (١٢٦٩) ومسلم (٢٤٠٠) من حديث ابن عمر.
  6. (٦) ف: "ذراريهم". وفي المطبوع: "ذرياتهم".
  7. (٧) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (٨١٦٦)، من طريق محمد بن صالح التمار، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه مرفوعا، وهو غريبٌ جدّا بهذا السند، والمحفوظ عن سعد بن إبراهيم روايتُه هذا الحديث عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبي سعيد دون قوله: "من فوق سبع سماوات"، كما في "الصحيحين". ويُنظر: "التاريخ الكبير" للبخاري (٤/ ٢٩١)، و"العلل" لابن أبي حاتم (٩٧١)، و"العلل" للدارقطني (٤/ ٣٣٢)، و"أطراف الغرائب والأفراد" لابن طاهر (٥٠٠).
176

ولما اختلفوا إلى ابن مسعود شهرًا في المفوِّضة قال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله بريء منه. أرى أنَّ لها مهرَ نسائها، لا وَكْس ولا شَطَط، ولها الميراث، وعليها العِدَّة. فقام ناسٌ من أشجَع فقالوا: نشهد أن رسول الله ﷺ قضى في امرأةٍ منَّا يقال لها: بَرْوَع بنت واشِق بمثل ما قضيتَ به. فما فرح ابنُ مسعود بشيء بعد الإسلام فَرَحَه بذلك١.

وحقيقٌ بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرًا من رأينا لأنفسنا، وكيف لا؟ وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا وحكمةً، وعلمًا ومعرفةً، وفهمًا عن الله ورسوله ونصيحةً للأمة. وقلوبُهم على قلب نبيِّهم، ولا واسطة بينهم وبينه، وهم يتلقَّون٢ العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضًّا طريًّا لم يَشُبْه٣ إشكال، ولم يَشِنْه٤ اختلاف٥، ولم تُدَنِّسه معارضة. فقياسُ رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس.

  1. (١) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (٥٤٩٤)، و"المجتبى" (٣٣٥٨)، وفي سنده اختلاف على الشعبي، سرده النسائي في "السنن الكبرى" (٥٤٩٢ - ٥٤٩٨)، لكن الحديث صحيح، صححه غير واحد من الحفاظ، كما تقدّم.
  2. (٢) ع: "ينقلون"، تصحيف. وكذا في النسخ المطبوعة.
  3. (٣) ت: "يشنه".
  4. (٤) لم تعجم الكلمة في ع. وفي ف والنسخ المطبوعة: "يشبه" كالسابق.
  5. (٥) في النسخ المطبوعة: "خلاف".
177

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي