وقال محمد بن سليمان الباغَنْدي: ثنا عبد الرحمن بن يونس، ثنا عمر بن أيوب، أنا عيسى بن المسيِّب، عن عامر، عن شُريح القاضي قال: قال لي عمر بن الخطاب أن اقضِ بما استبان لك من قضاء رسول الله ﷺ. فإن لم تعلم كلَّ أقضية رسول الله ﷺ فاقضِ بما استبان لك من أئمة المهتدين. فإن لم تعلم كلَّ ما قضَتْ به أئمةُ المهتدين فاجتهِدْ رأيَك، واستشِرْ أهل العلم والصلاح٢.
وقال الحميدي: ثنا سفيان، ثنا الشيباني، عن الشعبي قال: كتب عمر إلى شريح: إذا حضرك أمرٌ لا بدَّ منه فانظُرْ ما في كتاب الله، فاقضِ به. فإن لم يكن فبما قضى به رسولُ الله ﷺ. فإن لم يكن فبما قضى به الصالحون وأئمة العدل٣. فإن لم يكن فأنت بالخِيار، فإن شئتَ أن تجتهد رأيَك فاجتهِدْ رأيَك، وإن شئت أن تؤامرني٤، ولا أرى مؤامرتك إياي إلا خيرًا لك، والسلام٥.
(١) في النسخ الخطية والمطبوعة: "فإذا" أو "وإذا". والصواب ما أثبت من "جامع بيان العلم". وكذا في "شرح ابن بطال"، و"إيقاظ همم أولي الأبصار" (ص ١٨) وصاحبه ينقل من كتابنا.
(٢) رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٤٩٠) من طريق ابن الباغندي به، وابن الباغندي مُتكلّمٌ فيه، لكن للأثر شواهد تقدّم تخريجُها.
(٣) ت: "أئمة العدل والصالحون".
(٤) كذا في النسخ و"الإحكام" (٦/ ٢٩) والجواب محذوف. وهو مذكور في "الفقيه والمتفقه": "فآمِرْني". وفي "أخبار القضاة" (٢/ ١٨٩) و"سير أعلام النبلاء" (٤/ ١٠٤): "وإن شئتَ تؤامِرْني".
(٥) رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٤٩٢)، وابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" (٢٣/ ١٩ - ٢٠) من طريق الحميدي به، وسنده إلى الشعبي صحيح. ويُنظر: "المجتبى" للنسائي (٥٤١٤).
فصل
النوع الرابع من الرأي المحمود: أن يكون بعد طلبِ علمِ الواقعة من القرآن، فإن لم [٤٧/أ] يجدها في القرآن ففي السنَّة، فإن لم يجدها في السنَّة فبما قضى به الخلفاء الراشدون أو اثنان منهم أو واحد١، فإن لم يجده فبما قاله واحد من الصحابة ﵃. فإن لم يجده اجتهدَ رأيَه، ونظَر إلى أقرب ذلك من كتاب الله وسنَّة رسوله وأقضية أصحابه. فهذا هو الرأي الذي سوَّغه الصحابةُ، واستعملوه، وأقرَّ بعضُهم بعضًا عليه.
قال عليّ بن الجَعْد: أنا شعبة، عن سيَّار، عن الشعبي، قال: أخذ عمر فرسًا من رجلٍ على سَوْم، فحمَل عليه، فعطِبَ. فخاصمه الرجل، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلًا. فقال الرجل: فإنّي٢ أرضى بشُرَيح العراقي. فقال شريح: أخذتَه صحيحًا سليمًا، فأنت له ضامن حتى تَرُدَّه صحيحًا سليمًا. قال: فكأنه أعجبه، فبعثه قاضيًا، وقال: ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه، فإن لم يستبِنْ٣ في كتاب الله فمن السنَّة، فإن لم تجده في السنَّة فاجتهِدْ رأيَك٤.
(١) ت: "واحد منهم".
(٢) ت، ع: "إنِّي".
(٣) بعده في ت: "لك".
(٤) رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٤٩١) من طريق علي بن الجعد به. ورواه البيهقي في "السنن الكبير" (٥/ ٢٧٤)، وفي "معرفة السنن" (٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥) ــ ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" (٢٣/ ١٨) ــ من طريق آدم (وهو ابن أبي إياس) عن شعبة به. وروى الشطر الأخير من القصة سعيد بن منصور ــ ومن طريقه ابن حزم في "الإحكام" (٦/ ٢٩)، والبيهقي في "السنن الكبير" (١٠/ ١١٠) ــ، وابن جرير ــ ومن طريقه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٥٩٨) ــ، ووكيع القاضي في "أخبار القضاة" (٢/ ١٨٩)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٤٩١). ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٧١٥٨)، وابن سعد في "الطبقات" (٨/ ٢٥٣)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ٣٣٢) من طريق أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي بمعناه. وسنده غير متصل، إذ الشعبي لم يُدرك عمر ﵁. ويُنظر: "تاريخ مدينة دمشق" لابن عساكر (٢٣/ ١٩ - ٢١).