إعلام الموقعين

وهذا كتاب جليل تلقَّاه العلماء بالقبول، وبنَوا عليه أصول الحكم والشهادة. والحاكمُ والمفتي أحوجُ شيء إليه، وإلى تأمُّلِه، والتفقُّهِ فيه.

وقوله: "القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة" يريد به أنَّ ما يحكم به الحاكم نوعان: أحدهما: فرض محكم غير منسوخ، كالأحكام الكلِّية التي أحكمها الله في كتابه. والثاني: أحكام سنَّها رسول الله ﷺ.

وهذان النوعان هما المذكوران في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ: "العلم ثلاثة، فما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، وسنَّة قائمة، وفريضة عادلة". رواه ابن وهب عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الرحمن١ بن رافع عنه٢.

  1. (١) ع: "عبد الله"، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو خطأ.
  2. (٢) رواه أبو داود في "السنن" (٢٨٨٥) من طريق ابن وهب هذا. وعبد الرحمن بن زياد هو الإفريقي. ورواه ابن ماجه في "السنن" (٥٤) من حديث الإفريقي به. وسنده ضعيف؛ لضعف الإفريقي وشيخِه عبدِالرحمن بن رافع التنوخي.
187

ورواه بقية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ﷺ دخل المسجدَ، فرأى جمعًا من الناس على رجل، فقال: "ما هذا؟ ". قالوا: يا رسول الله، رجلٌ علَّامة. قال: "وما العلَّامة؟ ". قالوا: أعلَمُ الناس بأنساب العرب، وأعلَمُ الناس بعربية، وأعلَمُ الناس بشعر، وأعلَمُ الناس بما اختلف فيه العرب. فقال رسول الله ﷺ: "هذا علمٌ لا ينفع، وجهلٌ لا يضُرُّ". وقال رسول الله ﷺ: "العلم ثلاثة، وما خلا فهو [٤٨/ب] فضل: علمُ آية محكمة، أو سنَّة قائمة، أو فريضة عادلة"١.

وقوله: "فافهم إذا أُدْليَ إليك". صحّةُ الفهم وحسنُ القصد من أعظم نِعَم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أُعْطِيَ عبدٌ عطاءً بعد الإسلام أفضلَ

  1. (١) رواه أبو نعيم [كما في "الغرائب الملتقطة" لابن حجر (٢٧٢٤)]، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٣٨٥)، وأبو بكر ابن مردويه ــ ومن طريقه أبو سعد السمعاني في "الأنساب" (١/ ٩) ــ من حديث هشام بن خالد، عن بقية به، لكن قُرن أبو هريرة بابن عباس عند أبي نعيم. وقال ابن عبد البر في "الجامع" (١/ ٧٥٢): "في إسناد هذا الحديث رجلان لا يُحتج بهما، وهما سليمان وبقية". وآفة الحديث بقية، وكان يدلّس عن الهلكى والمجروحين. أما سليمان (وهو ابن محمد الخزاعي) فهو وإن كان متكلَّمًا فيه، فقد تابعه محمد بن أحمد بن داود البغدادي المؤدّب (وهو صدوقٌ لا بأس به) عند أبي نعيم وابن مردويه والسمعاني، وذهل ابن حجر عن هذه المتابَعة في "لسان الميزان" (٤/ ١٧٣).
    ولشطر الحديث الأول شاهدٌ لا ينفعه، رواه أبو داود في "المراسيل" (٤٧٥)، وأبو بكر ابن مردويه ــ ومن طريقه السمعاني في "الأنساب" (١/ ٩ - ١٠) ــ من حديث زيد بن أسلم مرسلا، وهو ــ على الأرجح ــ معضلٌ؛ لأن زيد بن أسلم من صغار التابعين، وأكثر رواياته عن التابعين، ولو كان سمعه من صحابيٍّ، أو تابعيٍّ ثقةٍ كبيرٍ = لصاح بذلك إن شاء الله تعالى.
188

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي