إعلام الموقعين

وكما توصَّل النعمان بن بشير بضرب المتَّهَمين بالسرقة إلى ظهور المال المسروق عندهم، فإن ظَهَر وإلا ضرَبَ من اتَّهَمهم كما ضرَبهم. وأخبر أن هذا حكم رسول الله ﷺ١.

ومن تأمَّلَ الشريعةَ وقضايا الصحابة وجدها طافحةً بهذا. ومن سلك غيرَ هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسب ذلك٢ إلى الشريعة التي بعث الله بها رسولَه.

وقوله: "فيما أُدْليَ إليك"٣ أي فيما تُوُصِّل به إليك من الكلام الذي

  1. (١) رواه أبو داود في "السنن" (٤٣٨٢)، والنسائي في "المجتبى" (٤٨٧٤)، وفي "السنن الكبرى" (٧٣٢٠) من حديث بقية، عن صفوان بن عمرو، عن أزهر الحرازي، عن النعمان. لكنه لم يضربهم، بل حبسهم ثم أطلقهم، واقترح ضربَهم بشرطٍ. وقال النسائي في "السنن الكبرى": "هذا حديثٌ منكرٌ لا يُحتجّ بمثله، وإنما أخرجته ليُعرَف". وانظر: "الزاد" (٥/ ٥٢) و"البدائع" (٣/ ١٠٣٧).
  2. (٢) ع: "ونسبه". وكذا في النسخ المطبوعة.
  3. (٣) هذا اللفظ في آخر الوصية. أما في أولها فقال: "إذا أدلي إليك".
191

تحكُم فيه١ بين الخصوم. ومنه قولهم: أدلى فلان بحجته، وأدلى بنسبه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] أي تُضيفوا ذلك إلى الحكام، وتتوصَّلوا بحكمهم إلى أكلها.

فإن قيل: لو أريد هذا المعنى لقيل: "وتدلوا بالحكام إليها". وأمَّا الإدلاء بها إلى الحكَّام فهو التوصُّل بالبِرْطِيل٢ بها إليهم، فتَرْشُوا الحاكَم [٤٩/ب] لتتوصَّلوا برشوته إلى الأكل بالباطل.

قيل: الآية تتناول النوعين، فكلٌّ منهما إدلاء إلى الحكام بسببها، فالنهي عنهما معًا.

وقوله: "فإنه لا ينفع تكلُّمٌ بحقٍّ لا نفاذ له". ولاية الحق: نفوذه، فإذا لم ينفذ كان ذلك عزلًا له عن ولايته. فهو بمنزلة الوالي العَدْل الذي في توليته مصالحُ العباد في معاشهم ومعادهم، فإذا عُزِل عن ولايته لم ينفع. ومراد عمر بذلك التحريضُ على تنفيذ الحقِّ إذا فهمه الحاكم، ولا ينفع تكلُّمُه به إن لم يكن له قوة تنفِّذه٣. فهو تحريضٌ منه على العلمِ٤ بالحقِّ، والقوةِ على تنفيذه. وقد مدح الله سبحانه أولي القوةِ٥ في أمره والبصائرِ في دينه، فقال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]،

  1. (١) في النسخ المطبوعة: "به".
  2. (٢) البرطيل: الرشوة.
  3. (٣) ع: "تنفيذه". وفي المطبوع: "على تنفيذه".
  4. (٤) ف: "العمل"، وكذا كتب بعضهم في طرَّة ح مع علامة صح، وهو خطأ.
  5. (٥) س، ت: "القوى"، وكذا حاول بعضهم أن يغيِّر ما في ح.
192

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي