فالأيدي: القوى على تنفيذ أمر الله، والأبصار: البصائر في دينه١.
وقوله: "آس بين الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك، حتَّى لا يطمعَ شريفٌ في حَيفك، ولا ييأس ضعيفٌ من عدلك". إذا٢ عدل الحاكمُ في هذا بين الخصمين فهو عنوانُ عدله في الحكومة. فمتى خصَّ أحدَ الخصمين بالدخول عليه، أو القيام له، أو صدرِ المجلس، أو الإقبال عليه والبشاشة له، أو النظر٣ إليه= كان عنوانَ حَيفه وظُلمه.
وقد رأيتُ في بعض التواريخ القديمة أنَّ أحدَ قضاة العدل في بني إسرائيل أوصاهم إذا دفنوه أن ينبِشوا قبره بعد مدّة، فينظروا هل تغيَّر منه شيء أم لا؟ وقال: إنِّي لم أجُرْ قطُّ في حكم، ولم أُحَابِ٤ فيه، غير أنه دخل عليَّ خصمان كان [٥٠/أ] أحدهما صديقًا لي، فجعلتُ أصغي إليه بأذني أكثر من إصغائي إلى الآخر. ففعلوا ما أوصاهم به، فرأوا أذنه قد أكلها الترابُ، ولم يتغيَّر جسده٥.
(٢) في ت قبل "إذا" وضعت إشارة إلى اليمين، وكتب في الحاشية اليسرى: "هذا أول عدل بين الخصمين". وفي ح غيَّر بعضهم "إذا" إلى "أول" ووضع علامة اللحق، وكتب في الحاشية: "فهذا".
(٣) ع: "والنظر". وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) في طرَّة ت أن في نسخة: "أحيف"، يعني: "ولم أحِفْ".
(٥) أخرج نحوه ابن عبد الحكم في "فتوح مصر والمغرب" (ص ٢٥٦) والمعافى بن زكريا في "الجليس الصالح الكافي" (٤/ ٩٢).
وفي تخصيص أحد الخصمين بمجلس أو إقبال أو إكرام مفسدتان: إحداهما١: طمعُه في أن تكون الحكومة له، فيقوى قلبه وجَنانه، والثانية: أنَّ الآخر ييأس من عدله، ويضعف قلبه، وتنكسر حجته.
وقوله: "البينة على المدعي٢ واليمين على من أنكر". البيِّنة في كلام الله ورسوله وكلام الصحابة اسمٌ لكلِّ ما يبيِّن الحقَّ، فهي أعمُّ من البيِّنة في اصطلاح الفقهاء، حيث خَصُّوها بالشاهدين أو الشاهد واليمين. ولا حَجْرَ في الاصطلاح ما لم يتضمَّن حملَ كلام الله ورسوله عليه، فيقع بذلك الغلطُ في فهم النصوص وحملها على غير مراد المتكلِّم منها.
وقد حصل بذلك للمتأخرين أغلاط شديدة في فهم النصوص. ونذكر من ذلك مثالًا واحدًا، وهو ما نحن فيه: لفظ٣ "البينة"، فإنها في كتاب الله اسمٌ لكلِّ ما يبيِّن الحقَّ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾[الحديد: ٢٥]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٤٣ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾[النحل: ٤٣ - ٤٤]، وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾[البينة: ٤]، وقال: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾[الأنعام: ٥٧] وقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾[هود: ١٧]، وقال: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾[فاطر: ٤٠]، وقال: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾[طه: ١٣٣]، [٥٠/ب] وهذا كثير في القرآن،
(١) ح: "أحدهما".
(٢) اللفظ الوارد فيما سبق: "على من ادَّعى".
(٣) في ت: "من لفظ"، والظاهر أن "من" زيدت فيما بعد.