وفي تخصيص أحد الخصمين بمجلس أو إقبال أو إكرام مفسدتان: إحداهما١: طمعُه في أن تكون الحكومة له، فيقوى قلبه وجَنانه، والثانية: أنَّ الآخر ييأس من عدله، ويضعف قلبه، وتنكسر حجته.
وقوله: "البينة على المدعي٢ واليمين على من أنكر". البيِّنة في كلام الله ورسوله وكلام الصحابة اسمٌ لكلِّ ما يبيِّن الحقَّ، فهي أعمُّ من البيِّنة في اصطلاح الفقهاء، حيث خَصُّوها بالشاهدين أو الشاهد واليمين. ولا حَجْرَ في الاصطلاح ما لم يتضمَّن حملَ كلام الله ورسوله عليه، فيقع بذلك الغلطُ في فهم النصوص وحملها على غير مراد المتكلِّم منها.
وقد حصل بذلك للمتأخرين أغلاط شديدة في فهم النصوص. ونذكر من ذلك مثالًا واحدًا، وهو ما نحن فيه: لفظ٣ "البينة"، فإنها في كتاب الله اسمٌ لكلِّ ما يبيِّن الحقَّ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾[الحديد: ٢٥]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٤٣ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾[النحل: ٤٣ - ٤٤]، وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾[البينة: ٤]، وقال: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾[الأنعام: ٥٧] وقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾[هود: ١٧]، وقال: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾[فاطر: ٤٠]، وقال: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾[طه: ١٣٣]، [٥٠/ب] وهذا كثير في القرآن،
(١) ح: "أحدهما".
(٢) اللفظ الوارد فيما سبق: "على من ادَّعى".
(٣) في ت: "من لفظ"، والظاهر أن "من" زيدت فيما بعد.
لم يختصَّ لفظُ "البيِّنة" بالشاهدين، بل ولا استُعمِل في الكتاب فيهما١ البتة.
إذا عُرِف هذا، فقولُ النبي ﷺ للمدَّعي: "ألك بينة؟ " وقول عمر: "البينة على المدَّعي" ــ وإن كان هذا قد روي مرفوعًا٢ ــ المراد به: ألكَ٣ ما يبيِّن الحقَّ من شهود أو دلالة. فإنَّ الشارع في جميع المواضع يقصد ظهورَ الحقِّ بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلّة عليه وشواهد له. ولا يرُدُّ حقًّا قد ظهر بدليله أبدًا، فيضيِّعَ حقوقَ الله وعبادِه ويعطِّلَها. ولا يقف ظهورَ الحقِّ على أمر معيَّن لا فائدة في تخصيصه به، مع مساواة غيره في ظهور الحق، أو رجحانه عليه ترجيحًا لا يمكن جحدُه ودفعُه؛ كترجيح شاهد الحال على مجرَّد اليد في صورة مَن على رأسه عمامة وبيده عمامة، وآخر خلفه مكشوف الرأس يعدو إثرَه، ولا عادة له بكشف رأسه. فبيِّنة الحال ودلالته هنا تفيد من ظهور صدقِ المدَّعي أضعافَ ما يفيده مجرَّدُ اليد عند كلِّ أحد٤. فالشارع لا يُهمِل مثل هذه البينة والدلالة، ويُضيع حقًّا يعلم كلُّ
(١) في النسخ: "فيها"، والتصحيح من النسخ المطبوعة.
(٢) رواه الترمذي في "الجامع" (١٣٤١) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، وضعّفه بمحمد بن عبيدالله العرزمي. والعرزمي هذا واهٍ متروك. ورواه البيهقي في "السنن الكبير" (١٠/ ٢٥٢) من حديث ابن عباس، لكن جملة "البيّنة على المدّعي" مُدرجة في الحديث، دخل على بعض رُواته حديث في حديث. ويُنظر: "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (٧/ ٤٥٥).
(٣) ع: "كلّ" موضع "ألك". وكذا في المطبوع!
(٤) وانظر هذا المثال في "الطرق الحكمية" (١/ ١٣) و"إغاثة اللهفان" (٢/ ٧٥٧) و"زاد المعاد" (٣/ ١٣٣).