تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ لأنّ صاحبَ الحقِّ هو الذي يحفظ حقَّه، فيحفظه بمن يرضاه.
وإذا قال من عليه الحقُّ: أنا أرضى١ بشهادة هذا عليَّ، ففي قبوله نزاع. والآية تدل على أنه يُقبَل، بخلاف الرجعة والطلاق فإنَّ فيهما حقًّا لله. وكذلك الوصية، فيها حقٌّ لغائب.
ومما يوضِّح ذلك: أنَّ النبيَّ ﷺ قال في المرأة: "أليست شهادتها بنصف شهادة الرجل؟ "٢ فأطلَق، ولم يقيِّد. ويوضِّحه أيضًا أن النبيَّ ﷺ قال للمدَّعي لما قال: هذا غصبني أرضي، فقال: "شاهداك أو يمينه"٣. وقد عرَف أنه لو أتى برجل وامرأتين حَكَم له. فعُلِمَ أنَّ هذا يقوم مقام الشاهدين، وأن قوله: "شاهداك أو يمينه" إشارة إلى الحجَّة الشرعية التي شعارها الشاهدان. فإما أن يقال لفظ "شاهدان" معناه دليلان يشهدان، وإما أن يقال رجلان أو ما يقوم مقامهما والمرأتان دليل بمنزلة الشاهد.
يوضِّحه أيضًا أنه لو لم يأتِ المدعي بحجَّة حلَف المدَّعَى عليه، فيمينه كشاهد آخر؛ فصار معه دليلان يشهدان: أحدهما البراءة، والثاني اليمين. وإن نكل عن اليمين فمَن قضى عليه بالنُّكول قال: النكول إقرار أو بَذْل٤.
(١) في النسخ المطبوعة: "راض".
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد، ومسلم (٧٩، ٨٠) عن ابن عمر وأبي هريرة.
(٣) أخرجه البخاري (٢٥١٥) ومسلم (١٣٨) من حديث الأشعث بن قيس.
(٤) في المطبوع: "بدل"، تصحيف.
وهذا جيِّد إذا كان المدَّعَى عليه هو الذي يعرف الحقَّ دون المدَّعِي. قال عثمان لابن عمر: تحلِفُ أنك بعتَه وما به عيبٌ تعلمه؟ فلما لم يحلِفْ قضَى عليه١. وأما الأكثرون فيقولون: إذا نكَلَ فَرُدَّ٢ اليمينُ على المدّعي، فيكون نكولُ الناكل دليلًا، ويمينُ المدعي دليلًا ثانيًا؛ فصار [٥٣/ب] الحكم بدليلين: شاهد ويمين.
والشارعُ إنما جعل الحكمَ في الخصومة بشاهدين، لأنَّ المدعي لا يُحكَم له بمجرَّد قوله، والخصمُ منكِر، وقد يحلِف أيضًا. فكأنَّ أحدَ الشاهدين يقاوم الخصمَ المنكِر، فإنَّ إنكاره ويمينه كشاهد، ويبقى الشاهد الآخر خبرَ عدلٍ لا معارِضَ له؛ فهو حجة شرعية لا معارِضَ لها. وفي الرواية إنما يُقبَل خبرُ الواحد إذا لم يعارضه أقوى منه. فاطَّرد القياسُ والاعتبارُ في الحكم والرواية.
يوضِّحه أيضًا أن المقصود بالشهادة أن يُعلَم بها ثبوتُ المشهود به، وأنه حقٌّ وصدقٌ، فإنها خبر عنه. وهذا لا يختلف بكون المشهود به مالًا أو طلاقًا أو عتقًا أو وصيةً، بل من صدَقَ في هذا صدَقَ في هذا. وإذا كان الرجل مع المرأتين كالرجلين يصدُقان في الأموال، فكذلك صدقُهما في هذا.
(١) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٢٢٧١)، وعبد الرزاق (١٤٧٢٢)، وابن أبي شيبة (٢١٢٠١، ٢١٥٠٤، ٢٢٢٢٦) من حديث يحيى بن سعيد (وهو الأنصاري)، عن سالم بن عبد الله بن عمر به. ورواه عبد الرزاق (١٤٧٢١) عن معمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سالم به.
(٢) في ح غيَّره بعضهم إلى "تُرَدّ" كما في ف والنسخ المطبوعة.