إعلام الموقعين

وقد ذكر الله سبحانه حكمة تعدُّد الأنثيين١ في الشهادة، وهي أن المرأة قد تنسى الشهادة، وتضِلُّ عنها، فتذكِّرها الأخرى. ومعلوم أنَّ تذكيرها لها بالرجعة والطلاق والوصية مثلُ تذكيرها لها بالدَّين، وأولى.

وهو سبحانه أمرَ بإشهاد امرأتين لتوكيد الحفظ، لأنّ عقلَ المرأتين وحفظَهما يقوم مقامَ عقلِ رجلٍ وحفظِه. ولهذا جُعِلت على النصف من الرجل في الميراث والدية والعقيقة والعتق. فعتقُ امرأتين يقوم مقامَ عتقِ رجل، كما صحّ عن النبي ﷺ: "من أعتَقَ امرأً مسلمًا أعتق الله بكلِّ [٥٤/أ] عضوٍ منه عضوًا منه من النار. ومن أعتق امرأتين مسلمتين أعتق الله بكلِّ عضوٍ منهما عضوًا منه من النار"٢.

ولا ريب أن هذه الحكمة في التعدُد هي عند التحمُّل، فأما إذا عقلت المرأة وحفظت وكانت ممن يوثق بدينها، فإنَّ المقصود حاصلٌ بخبرها، كما يحصل بأخبار الديانات. ولهذا تُقبل شهادتُها وحدها في مواضع، ويُحكَم بشهادة امرأتين ويمينِ الطالب في أصحِّ القولين. وهو قول مالك٣، وأحد الوجهين في مذهب أحمد٤.

  1. (١) في النسخ: "الاثنين".
  2. (٢) رواه أبو داود (٣٩٦٧)، وابن ماجه (٢٥٢٢)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٤٨٦٣) من حديث كعب بن مرة، وفي سنده اختلافٌ كثيرٌ، وليُنظر: "السنن الكبرى" للنسائي (٤٨٥٩ - ٤٨٦٩)، و"العلل" للدارقطني (١٤/ ٣٣ - ٣٤).
  3. (٣) انظر: "الكافي" لابن عبد البر (٢/ ٩٠٧).
  4. (٤) انظر: "شرح الزركشي" (٧/ ٣١٣) و"الطرق الحكمية" (١/ ٤٢٦) و"مجموع الفتاوى" (٣١/ ٢٩٤).
203

قال شيخنا قدَّس الله روحه: ولو قيل: يُحكَم بشهادة امرأة ويمين الطالب لكان متوجِّهًا. قال: لأن المرأتين إنما أقيمتا١ مقام الرجل في التحمُّل لئلا تنسى إحداهما، بخلاف الأداء فإنه ليس في الكتاب ولا في السنَّة أنه لا يُحكَم إلا بشهادة امرأتين. ولا يلزم من الأمر باستشهاد المرأتين وقتَ التحمُّل أن لا يُحكَم بأقلَّ منهما، فإنه سبحانه أمر باستشهاد رجلين في الديون، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان. ومع هذا فيُحكَم بشاهد واحد ويمين الطالب، ويُحكَم بالنُّكول والردِّ وغير ذلك.

فالطرق التي يحكم بها الحاكم أوسع من الطرق التي أرشد الله صاحبَ الحق إلى أن يحفظ حقَّه بها. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه سأله عُقْبة بن الحارث فقال: إني تزوجتُ امرأةً، فجاءت أمةٌ سوداءُ، فقالت: إنها أرضعتنا. فأمرَه بفراق امرأته، فقال: إنها كاذبة، فقال: "دَعْها عنك"٢.

ففي هذا قبولُ شهادة المرأة الواحدة، وإن كانت أمةً، وشهادتُها على فعل نفسها. وهو أصلٌ في شهادة القاسم والخارص والوزان والكيال على فعل نفسه.

فصل

وهذا أصل عظيم [٥٤/ب] يجب٣ أن يُعرَف، غلِط فيه كثيرٌ من الناس؛ فإنَّ الله سبحانه أمرَ بما يحفظ به الحقُّ، فلا يحتاجَ معه إلى يمين صاحبه

  1. (١) س، ح، ت: "أقيما"، وكذا في "اختيارات البعلي" (ص ٣٦٣) وقد ورد فيها أول كلام الشيخ.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٨٨، ٢٦٥٩).
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: "فيجب".
204

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي