إعلام الموقعين

أيمان الزوج، فما الفرق؟

قيل: هذا من كمال الشريعة وتمام عدلها ومحاسنها. فإنَّ المحلوف عليه في القَسامة حقٌّ لآدمي، وهو استحقاق الدم، وقد جُعلت الأيمان المكرَّرة بيِّنةً تامّةً مع اللَّوث، فإذا قامت البيِّنة لم يُلتفت إلى أيمان المدَّعَى عليهم١. وفي اللِّعان المحلوف عليه حقٌّ لله، وهو حدُّ الزنا، ولم يشهد به أربعة شهود، وإنما جُعِل الزوج أن يحلف أيمانًا مكرَّرة مؤكَّدةً٢ باللعنة أنها جَنَت على فراشه وأفسدته، فليس له شاهد إلا نفسه، وهي شهادة ضعيفة، فمُكِّنت المرأة أن تُعارضها بأيمان مكرَّرة مثلها. فإذا نكلَتْ٣ ولم تُعارضها صارت أيمانُ الزوج مع نكولها بينةً قويةً لا معارض لها. ولهذا كانت الأيمان أربعة لتقوم مقام الشهود الأربعة، وأُكِّدت بالخامسة، وهي الدعاء على نفسه باللعنة إن كان كاذبًا. ففي القسامة جُعِل اللَّوث ــ وهو الأمارة الظاهرة الدالَّة على أنَّ المدَّعَى عليهم قتلوه٤ ــ شاهدًا، وجُعِلت الخمسون٥ يمينًا شاهدًا آخر. وفي اللعان جُعِلت أيمانُ الزوج كشاهد، ونكولُها كشاهد آخر.

والمقصود: أنَّ الشارع لم يقف الحكم في حقِّ من الحقوق٦ البتَّةَ على شهادة ذكرين، لا في الدماء ولا في الأموال ولا في الفروج ولا في

  1. (١) ع: "عليه". وكذا في النسخ المطبوعة.
  2. (٢) ع: "ومؤكدة". وكذا في النسخ المطبوعة.
  3. (٣) كتب بعضهم في طرَّة ح: "فعلت" مع علامة صح.
  4. (٤) رجَّح في المطبوع: "قبلوه"!
  5. (٥) في النسخ الخطية والمطبوعة جميعًا: "الخمسين".
  6. (٦) في النسخ المطبوعة: "في حفظ الحقوق".
216

الحدود. بل قد حدَّ الخلفاء الراشدون والصحابة ﵃ في الزنا بالحَبَل١، وفي الخمر بالرائحة٢ والقيء٣. وكذلك إذا ظهر المسروقُ عند السارق كان أولى بالحدِّ من ظهور الحبل والرائحة في الخمر. وكلُّ ما يمكن أن يقال في ظهور المسروق أمكن أن يقال في الحَبَل والرائحة، بل أولى، فإن الشبهة التي تعرض في الحبل من الإكراه ووطء الشبهة وفي الرائحة لا يعرض مثلُها في ظهور العين المسروقة. والخلفاء الراشدون والصحابة ﵃ لم يلتفتوا إلى هذه الشبهة التي٤ تجويزُ غلطِ الشاهد ووهمِه وكذبِه أظهرُ منها بكثير، فلو عُطِّل الحدُّ بها لكان تعطيله بالشبهة التي تُمكن٥ في شهادة الشاهدين أولى. فهذا محض الفقه والاعتبار ومصالح العباد، وهو من أعظم الأدلة على جلالة فقه الصحابة وعظمته، ومطابقتِه لمصالح العباد [٥٩/أ] وحكمةِ الربِّ وشرعِه، وأن التفاوت الذي بين أقوالهم وأقوال مَن بعدهم كالتفاوت الذي بين القائلين.

والمقصود: أن الشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يرُدَّ خبرَ العدل قطُّ، لا في رواية ولا في شهادة، بل قبِل خبر العدل الواحد في كلِّ موضع أخبر

  1. (١) أخرجه البخاري (٦٨٢٩) عن عمر، وابن أبي شيبة (٢٩٤١٥ - ٢٩٤١٧) عن علي.
  2. (٢) روى النسائي (٥٧٠٨) أثرًا في هذا عن عمر ﵁، وسنده صحيح. وانظر أثر ابن مسعود في "صحيح البخاري" (٥٠٠١) ومسلم (٨٠١).
  3. (٣) انظر قصة جلد الوليد بن عقبة بأمر عثمان بن عفان في حديث مسلم (١٧٠٧).
  4. (٤) ح، س، ت: "التي هي". والمثبت من ع، وكذا في الطبعات القديمة (ولعل "إلى" مكان "التي" خطأ مطبعي في نشرة الوكيل). وأثبت في المطبوع: "التي هي إلى"، فاختلَّ السياق!
  5. (٥) في المطبوع: "تكمن".
217

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي