إعلام الموقعين

الحدود. بل قد حدَّ الخلفاء الراشدون والصحابة ﵃ في الزنا بالحَبَل١، وفي الخمر بالرائحة٢ والقيء٣. وكذلك إذا ظهر المسروقُ عند السارق كان أولى بالحدِّ من ظهور الحبل والرائحة في الخمر. وكلُّ ما يمكن أن يقال في ظهور المسروق أمكن أن يقال في الحَبَل والرائحة، بل أولى، فإن الشبهة التي تعرض في الحبل من الإكراه ووطء الشبهة وفي الرائحة لا يعرض مثلُها في ظهور العين المسروقة. والخلفاء الراشدون والصحابة ﵃ لم يلتفتوا إلى هذه الشبهة التي٤ تجويزُ غلطِ الشاهد ووهمِه وكذبِه أظهرُ منها بكثير، فلو عُطِّل الحدُّ بها لكان تعطيله بالشبهة التي تُمكن٥ في شهادة الشاهدين أولى. فهذا محض الفقه والاعتبار ومصالح العباد، وهو من أعظم الأدلة على جلالة فقه الصحابة وعظمته، ومطابقتِه لمصالح العباد [٥٩/أ] وحكمةِ الربِّ وشرعِه، وأن التفاوت الذي بين أقوالهم وأقوال مَن بعدهم كالتفاوت الذي بين القائلين.

والمقصود: أن الشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يرُدَّ خبرَ العدل قطُّ، لا في رواية ولا في شهادة، بل قبِل خبر العدل الواحد في كلِّ موضع أخبر

  1. (١) أخرجه البخاري (٦٨٢٩) عن عمر، وابن أبي شيبة (٢٩٤١٥ - ٢٩٤١٧) عن علي.
  2. (٢) روى النسائي (٥٧٠٨) أثرًا في هذا عن عمر ﵁، وسنده صحيح. وانظر أثر ابن مسعود في "صحيح البخاري" (٥٠٠١) ومسلم (٨٠١).
  3. (٣) انظر قصة جلد الوليد بن عقبة بأمر عثمان بن عفان في حديث مسلم (١٧٠٧).
  4. (٤) ح، س، ت: "التي هي". والمثبت من ع، وكذا في الطبعات القديمة (ولعل "إلى" مكان "التي" خطأ مطبعي في نشرة الوكيل). وأثبت في المطبوع: "التي هي إلى"، فاختلَّ السياق!
  5. (٥) في المطبوع: "تكمن".
217

به، كما قبِل شهادته لأبي قتادة بالقتيل١، وقبِل شهادةَ خزيمة وحده٢، وقبِل شهادةَ الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان٣، وقبِل شهادة الأمة السوداء وحدها على الرضاعة٤، وقبِل خبرَ تميمٍ وحده، وهو خبرٌ عن أمر حِسِّيٍّ شاهده ورآه، فقبِله ورواه عنه٥. ولا فرق بينه وبين الشهادة، فإنّ كلًّا منهما خبرٌ٦ عن أمر مستند إلى الحسِّ والمشاهدة، فتميمٌ شهِد بما رآه وعاينه، وأخبر به النبيَّ ﷺ، فصدَّقه وقبِل خبره. فأيُّ فرق بين أن يشهد العدل الواحد على أمر رآه وعاينه يتعلَّق بمشهود له وعليه، وبين أن يخبر بما رآه وعاينه مما يتعلَّق بالعموم؟ وقد أجمع المسلمون على قبول أذان المؤذن الواحد، وهو شهادةٌ منه بدخول الوقت، وخبرٌ عنه يتعلق بالمخبر وغيره. وكذلك أجمعوا على قبول فتوى المفتي الواحد، وهي خبرٌ عن حكم شرعي يعُمُّ المستفتي وغيره.

  1. (١) سبق تخريجه.
  2. (٢) سبق تخريجه.
  3. (٣) روى أبو داود (٢٣٤٠)، والترمذي (٦٩١)، وابن ماجه (١٦٥٢)، والنسائي (٢١١٢، ٢١١٣) من حديث سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس. وفي سنده اختلاف على سماك، أشار إليه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرُهم، وسماك مضطربٌ في حديث عكرمة خاصّة، والمحفوظ في هذا الحديث الإرسال. وليُنظر: "السنن" لأبي داود (٢٣٤١)، و"الجامع" للترمذي (٣/ ٦٥)، والمجتبى للنسائي (٢١١٤، ٢١١٥).
  4. (٤) سبق تخريجه.
  5. (٥) يعني خبر تميم الداري عن الدجال. أخرجه مسلم (٢٩٤٢) من حديث فاطمة بنت قيس.
  6. (٦) لفظ "خبر" ساقط من ع.
218

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي