إعلام الموقعين

به، كما قبِل شهادته لأبي قتادة بالقتيل١، وقبِل شهادةَ خزيمة وحده٢، وقبِل شهادةَ الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان٣، وقبِل شهادة الأمة السوداء وحدها على الرضاعة٤، وقبِل خبرَ تميمٍ وحده، وهو خبرٌ عن أمر حِسِّيٍّ شاهده ورآه، فقبِله ورواه عنه٥. ولا فرق بينه وبين الشهادة، فإنّ كلًّا منهما خبرٌ٦ عن أمر مستند إلى الحسِّ والمشاهدة، فتميمٌ شهِد بما رآه وعاينه، وأخبر به النبيَّ ﷺ، فصدَّقه وقبِل خبره. فأيُّ فرق بين أن يشهد العدل الواحد على أمر رآه وعاينه يتعلَّق بمشهود له وعليه، وبين أن يخبر بما رآه وعاينه مما يتعلَّق بالعموم؟ وقد أجمع المسلمون على قبول أذان المؤذن الواحد، وهو شهادةٌ منه بدخول الوقت، وخبرٌ عنه يتعلق بالمخبر وغيره. وكذلك أجمعوا على قبول فتوى المفتي الواحد، وهي خبرٌ عن حكم شرعي يعُمُّ المستفتي وغيره.

  1. (١) سبق تخريجه.
  2. (٢) سبق تخريجه.
  3. (٣) روى أبو داود (٢٣٤٠)، والترمذي (٦٩١)، وابن ماجه (١٦٥٢)، والنسائي (٢١١٢، ٢١١٣) من حديث سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس. وفي سنده اختلاف على سماك، أشار إليه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرُهم، وسماك مضطربٌ في حديث عكرمة خاصّة، والمحفوظ في هذا الحديث الإرسال. وليُنظر: "السنن" لأبي داود (٢٣٤١)، و"الجامع" للترمذي (٣/ ٦٥)، والمجتبى للنسائي (٢١١٤، ٢١١٥).
  4. (٤) سبق تخريجه.
  5. (٥) يعني خبر تميم الداري عن الدجال. أخرجه مسلم (٢٩٤٢) من حديث فاطمة بنت قيس.
  6. (٦) لفظ "خبر" ساقط من ع.
218

وسرُّ المسألة: أنه لا يلزم من الأمر بالتعدُّد في جانب التحمُّل وحفظ الحقوق الأمرُ بالتعدُّد في جانب الحكم والثبوت. فالخبر الصادق لا تأتي الشريعةُ بردِّه أبدًا. وقد ذمَّ اللهُ في كتابه من كذَّب بالحق، وردُّ الخبر الصادق تكذيبٌ بالحق. وكذلك الدلالة الظاهرة لا تُرَدُّ إلا بما هو مثلها أو أقوى منها. والله سبحانه لم يأمر بردِّ خبرِ الفاسق، بل بالتثبُّت والتبيُّن، فإن ظهرت الأدلّة على صدقه [٥٩/ب] قُبِل خبرُه، وإن ظهرت الأدلة على كذبه رُدَّ خبرُه، وإن لم يتبيَّن واحد من الأمرين وُقِفَ خبره. وقد قبِل النبيُّ ﷺ خبر الدليل المشرك الذي استأجره ليدلَّه على طريق المدينة في هجرته، لما ظهر له صدقه وأمانته. فعلى المسلم أن يتبع هديَ النبيِّ ﷺ في قبول الحق ممن جاء به، من وليّ وعدو، وحبيب وبغيض، وبر وفاجر؛ ويردَّ الباطل على من قاله كائنًا من كان.

قال عبد الله بن صالح١:

ثنا الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن ابن

  1. (١) كذا رواه يحيى بن إبراهيم بن مزين القرطبي عن عبد الله بن صالح [كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البر (١٨٧١)]، وابن مزين وابن صالح صدوقان، لكن فيهما لينٌ، والظاهر أن أحدهما قد قصّر، فرواه من حديث الليث، عن ابن عجلان، عن ابن شهاب، عن معاذ ﵁، ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٣٢) من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن عجلان، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن معاذ به. والمحفوظ المستفيض ما رواه أبو داود (٤٦١١) من حديث الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن يزيد بن عميرة، عن معاذ به.
    وقد رواه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٣٢٢) ــ ومن طريقه البيهقي في "المدخل" (٨٣٤) ــ عن أبي صالح (وهو عبد الله بن صالح) وابنِ بُكير، عن الليث، عن عقيل به. وللحديث طرق كثيرة إلى ابن شهاب، عن أبي إدريس به.
219

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي