إعلام الموقعين

فصل

والحقوق نوعان: حقٌّ لله، وحقٌّ لآدمي. فحقُّ الله لا مدخل للصلح فيه كالحدود والزكوات والكفارات ونحوها، وإنما الصلح بين العبد وبين ربِّه في إقامتها، لا في إهمالها. [٦٢/أ] ولهذا لا تقبل الشفاعة في الحدود، وإذا١ بلغت السلطان فلعَن اللهُ الشافعَ والمشفَّعَ.

وأما حقوق الآدميين٢ فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها. والصلح العادل هو الذي أمر الله به ورسوله ﷺ كما قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات: ٩]، والصلح الجائر هو الظلم بعينه. وكثير من الناس لا يعتمد العدلَ في الصلح، بل يُصلح صلحًا ظالمًا جائرًا٣، فيصالح بين الغريمين على دون الطفيف من حقِّ أحدهما.

والنبيُّ ﷺ لمّا صالح بين كعب وغريمه صالَح أعدلَ الصلح٤، فأمره

  1. (١) في ح: "إذا" دون الواو قبلها.
  2. (٢) في طرة ح: "الآدمي" وفوقه: "نسخة ص". وفي ف: "الآدمي"، وفي طرتها: "خ الآدميين".
  3. (٣) لم يرد "جائرًا" في ح، فاستدركه بعضهم في طرتها.
  4. (٤) ع: "والنبي ﷺ صالح بين كعب وغريمه أعدل الصلح". وفي النسخ المطبوعة: "والنبي ﷺ صالح ... غريمه وصالح ... " بإسقاطْ "لمَّا" وزيادة الواو قبل جوابها.
228

أن يأخذ الشطر ويضع١ الشطر٢، وكذلك لما عزم على طلاق سَودة رضيَتْ بأن تهَبَ له ليلتها٣، وتبقى على حقِّها من النفقة والكسوة. فهذا أعدل الصلح، فإن الله سبحانه أباح للرجل أن يطلِّق زوجته ويستبدل بها غيرها، فإذا رضيت بتركِ بعضِ حقِّها وأخذِ بعضه وأن يمسكها كان هذا من الصلح العادل. وكذلك أرشد الخصمين اللذين دَرَسَتْ٤ بينهما المواريثُ٥ بأن يتوخَّيا الحقَّ بحسب الإمكان، ثم يحلِّل كلٌّ منهما صاحبَه٦.

وقد أمر الله سبحانه٧ بالإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين أولًا، فإن بغت إحداهما على الأخرى فحينئذ أَمرَ بقتال الباغية لا بالصلح، فإنها ظالمة؛ ففي الإصلاح مع ظلمها هضمٌ لِحقِّ الطائفة المظلومة.

  1. (١) ع: "ويدع"، وكأنه تحريف سماعي. وكذا في النسخ المطبوعة.
  2. (٢) سبق تخريجه آنفًا.
  3. (٣) رواه ابن سعد في "الطبقات" (١٠/ ٥٤) من حديث القاسم بن أبي بزة مرسلا، أو معضلا. وروى أبو داود (٢١٣٥) من حديث عائشة، والترمذي (٣٠٤٠) من حديث ابن عباس، ما يشهد لبعض معناه، والحديث باجتماع طريقيْه جيّد قويّ. وصحح الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٦٠، ١٨٦) حديثَ عائشة.
  4. (٤) وفي رواية لأبي داود (٣٥٨٥): "يختصمان في مواريث وأشياء قد درست". وفي أخرى (٣٥٨٤): "في مواريث لهما لم يكن لهما بيّنة إلا دعواهما". فهذا يفسِّر معنى دروسها أي خفائها لقِدَمها وفقدان البينة. وضبط "درست" في ت بالبناء للمجهول، وهو جائز. وفي النسخ المطبوعة: "كانت".
  5. (٥) ع: "كان بينهما الإرث".
  6. (٦) سبق تخريجه قريبًا.
  7. (٧) في سورة الحجرات (٩).
229

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي