لم يَضرِب له أمدًا، بل يفصِل الحكومة، فإنَّ ضربَ هذا الأمد إنما كان [٦٣/أ] لتمام العدل، فإذا كان فيه إبطالٌ للعدل لم يُجَب إليه الخصمُ.
وقوله: "ولا يمنعنَّك قضاءٌ قضيتَ به اليوم، فراجعتَ فيه رأيك، وهُدِيتَ فيه لِرُشدك= أن تُراجع فيه الحقَّ، فإنّ الحقَّ قديم، ولا يبطله شيء، ومراجعةُ الحق خيرٌ من التمادي في الباطل". يريد: أنّك إذا اجتهدت في حكومة، ثم وقعت لك مرة أخرى، فلا يمنعك الاجتهاد الأول من إعادته؛ فإنَّ الاجتهاد قد يتغيَّر. ولا يكون الاجتهاد الأول مانعًا من العمل بالثاني، إذا ظهر أنه الحقُّ، فإنَّ الحق أولى بالإيثار، لأنه قديم سابق على الباطل. فإن كان الاجتهاد الأول قد سبق الثاني، والثاني هو الحقُّ، فهو أسبق من الاجتهاد الأول؛ لأنه قديم سابق على ما سواه. ولا يبطله وقوع الاجتهاد الأول على خلافه١، بل الرجوع إليه أولى من التمادي على الاجتهاد الأول.
قال عبد الرزاق٢:
ثنا معمر، عن سماك بن الفضل، عن وهب بن
(١) في المطبوع: "خلاف".
(٢) (١٩٠٠٥)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ٣٣١ - ٣٣٢)، ويعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٢٢٣، ٢٢٣ - ٢٢٤). وقد قلب بعض الرواة اسمَ الحكم بن مسعود ونسبَه، وخلطه النخشبي بالأنصاري الزرقي، فوازِن تخريج "الفوائد الحنائيات" (٢/ ١٣٠٢)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٣/ ١٢٧، ٨/ ٢٨٣) بـ "التاريخ الكبير" للبخاري (٢/ ٣٣١ - ٣٣٢)، و"المعرفة والتاريخ" ليعقوب بن سفيان (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤). وقد قال البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ٣٣٢): "ولم يتبيّن سماع وهب من الحكم". والحكم هذا مجهولٌ، أما الذهبي فقال في "ميزان الاعتدال" (١/ ٥٨٠): "هذا إسنادٌ صالحٌ".
منبه، عن الحكم بن مسعود الثقفي قال: قضى عمر بن الخطاب ﵁ في امرأة توفِّيت، وتركت زوجها، وأمَّها، وإخوتها لأبيها وأمها، وإخوتها لأمها. فأشرك عمر بين الإخوة للأم والأب والإخوة للأم في الثلث. فقال له رجل: إنك لم تُشرِك بينهم عامَ كذا وكذا. فقال عمر: تلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما قضينا اليوم. فأخذ أمير المؤمنين في كلا الاجتهادين بما ظهر له أنه الحق، ولم يمنعه القضاء الأول من الرجوع إلى الثاني، ولم ينقض الأولَ بالثاني. فجرى أئمة الإسلام بعده على هذين الأصلين.
قوله: "والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجرَّبًا عليه شهادةُ زور، أو مجلودًا في حدٍّ، أو [٦٣/ب] ظنينًا في ولاء أو قرابة". لمَّا جعل الله سبحانه هذه الأمة أمةً وسَطًا ليكونوا شهداء على الناس، والوسط: العدل الخيار= كانوا عدولًا بعضهم على بعض، إلا من قام به مانع الشهادة. وهو أن يكون قد جُرِّب عليه شهادةُ الزور، فلا يوثق بعد ذلك بشهادته؛ أو مَن جُلِد في حدِّ قذفٍ١ لأن الله سبحانه نهى عن قبول شهادته؛ أو متَّهم٢ بأن يجُرَّ إلى نفسه نفعًا من المشهود له، كشهادة السيِّد لعتيقه بمال، أو شهادة العتيق لسيِّده إذا كان في عياله أو منقطعًا إليه يناله نفعه.
وكذلك شهادة القريب لقريبه لا تُقبَل مع التهمة، وتُقبل بدونها. هذا هو الصحيح. وقد اختلف الفقهاء في ذلك: فمنهم مَن جوَّز شهادة القريب لقريبه مطلقًا كالأجنبي، ولم يجعل القرابة مانعة من الشهادة بحال، كما يقوله