أبو محمد بن حزم وغيره من أهل الظاهر١. وهؤلاء يحتجُّون بالعمومات التي لا تفرِّق بين أجنبي وقريب، وهؤلاء أسعد بالعمومات. ومنعت طائفةٌ شهادةَ الأصول للفروع والفروع للأصول خاصّة، وجوَّزت شهادةَ سائر الأقارب بعضهم لبعض. وهذا مذهب الشافعي وأحمد٢، وليس مع هؤلاء نصٌّ صريح صحيح بالمنع.
واحتجَّ الشافعي بأنه لو قُبلت شهادة الأب لابنه لكانت شهادةً منه لنفسه لأنه منه٣. وقد قال النبي ﷺ: "إنما فاطمةُ بَضْعَةٌ منِّي، يَريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها"٤.
قالوا: وكذلك بنو البنات، فقد قال النبيُّ ﷺ في الحسن: "إن ابني هذا سيِّد"٥.
قال الشافعي٦: فإذا شهد له، فإنما يشهد لشيء منه. قال: وبنوهم منه، فكأنه شهِد لبعضه.
قالوا: والشهادة تُرَدُّ [٦٤/أ] بالتهمة، والوالد متَّهم في ولده، فهو ظنين في قرابته.
(٢) انظر: "الأم" (٧/ ٤٩) و"المجموع شرح المهذب" (٢٠/ ٢٣٤)، و"الروايتين والوجهين" (٣/ ٩٥)، و"الهداية" لأبي الخطاب (ص ٥٩٧).
(٣) انظر: كتاب "الأم" (٧/ ٤٩).
(٤) أخرجه البخاري (٥٢٣٠) ومسلم (٢٤٤٩) من حديث المِسْوَر بن مخرمة.
(٥) أخرجه البخاري (٢٧٠٤) من حديث أبي بكرة.
(٦) في كتاب "الأم" (٧/ ٤٩). وانظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (١٠/ ٢٠١).
قالوا: وقد قال النبي ﷺ في الأولاد: "إنكم لَتُبَخِّلُون وتُجَبِّنُون، وإنكم لَمِنْ رَيحان الله"١. وفي أثر آخر: "الولد مَبْخَلة مَجْبَنة"٢.
قالوا: وقد قال النبي ﷺ: "أنت ومالك لأبيك"٣. فإذا كان مال الابن لأبيه، فإذا شهد له الأبُ بمال كان قد شهد به لنفسه.
قالوا: وقد قال أبو عبيد: ثنا مروان بن٤ معاوية عن يزيد الجَزَري ــ
(١) رواه أحمد (٢٧٣١٤)، والترمذي (١٩١٠) من حديث عمر بن عبد العزيز، عن خولة بنت حكيم مرفوعا، وقال الترمذي: "ولا نعرف لعمر بن عبد العزيز سماعا من خولة". وفيه أيضا ابن أبي سويد (وهو محمد الثقفي)، مجهول.
(٢) رواه أحمد (١٧٥٦٢)، وابن ماجه (٣٦٦٦) من طريق سعيد بن أبي راشد، عن يعلى مرفوعا، وسعيد مجهول. ومع هذا صححه الحاكم في "المستدرك" (٣/ ١٦٤) على شرط مسلم، وروى له (٣/ ٢٩٦) شاهدًا من حديث الأسود بن خلف مرفوعا، ولا يصح، وروى (٤/ ٢٣٩) نحوه من حديث الأشعث بن قيس مرفوعا، وصححه على شرط الشيخين! وله طريق أخرى عند الإمام أحمد (٢١٨٤٠)، وأبي القاسم البغوي في "معجم الصحابة" (٢٢٩)، وطريق ثالثة عند الطبراني في "المعجم الكبير" (٦٤٧)، ولأصل الحديث طرق أخرى ليس هذا مقام سردها، ومجموعها يدلّ على أن للحديث أصلا.
(٣) رواه أحمد (٦٦٧٨، ٦٩٠٢)، وأبو داود (٣٥٣٠)، وابن ماجه (٢٢٩٢) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، وله شاهد من حديث جابر مرفوعا، رواه ابن ماجه (٢٢٩١)، لكن الأشبه أن المحفوظ أن أصله مرسلُ ابنِ المنكدر، كما في "العلل" لابن أبي حاتم (١٣٩٩). وللحديث شواهد كثيرة، وقد صححه ابن حبان في "المسند الصحيح" (٤٠١٥) من حديث عائشة، والصواب أن سندَ ابنِ حبان ضعيف، لكن أصل الحديث قوي.
(٤) في النسخ الخطية: "جرير عن" وهو تحريف ما أثبت من "المحلَّى" (٨/ ٥٠٧) وهو مصدر النقل.