قالوا: والإنسان متَّهم في ولده، مفتون به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾[التغابن: ١٥] فكيف تُقبَل شهادةُ المرء لمن قد جُعِل مفتونًا [٦٤/ب] به، والفتنة محلُّ التهمة١؟
قال الآخرون: قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾[التوبة: ١١٥]. وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾[النحل: ٨٩]. وقد قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾[الطلاق: ٢]. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾[البقرة: ٢٨٢]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾[المائدة: ١٠٦]. ولا ريب في دخول الآباء والأبناء والأقارب في هذا اللفظ كدخول الأجانب، وتناولُها للجميع تناولٌ٢ واحدٌ. هذا مما لا يمكن دفعه. ولم يستثن الله سبحانه ولا رسوله من ذلك أبًا ولا ولدًا ولا أخًا ولا قرابةً، ولا أجمع المسلمون على استثناء أحد من هؤلاء، فتلزمَ الحجة بإجماعهم.
(١) بعد هذا في ع: "فصل". وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) في النسخ المطبوعة: "بتناول".
وقد ذكر عبد الرزاق١ عن أبي بكر بن أبي سَبْرة، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قال عمر بن الخطاب: تجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه.
وعن عمرو بن سُلَيم الزُّرَقي عن سعيد بن المسيِّب مثل هذا٢.
وقال ابن وهب: ثنا يونس عن الزهري قال: لم يكن يتَّهِم سلفُ المسلمين الصالح شهادةَ٣ الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الزوج لامرأته. ثم دخل الناس بعد ذلك، فظهرت منهم أمور حملت الولاةَ على اتهامهم، فتُرِكت شهادةُ من يُتَّهم إذا كانت من قرابة، وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة، لم يُتَّهم إلا هؤلاء في آخر الزمان٤.
وقال أبو عبيد: حدثني الحسن بن عازب، عن جدِّه شَبيب بن غَرقَدة قال: كنت جالسًا عند شُريح، فأتاه [٦٥/أ] علي بن كاهل وامرأة وخصم، فشهد لها عليُّ بن كاهل وهو زوجها، وشهد لها أبوها، فأجاز شريح
(١) في "المصنف" (١٥٤٧١)، وابن أبي سبرة متروكٌ متّهمٌ بالكذب والوضع.
(٢) رواه عبد الرزاق (١٥٤٧٢)، لكنه لا يثبت عن عمرو بن سليم؛ لأن في الطريق إليه ابن أبي سبرة، وهو واهٍ تالفٌ.
(٣) في النسخ المطبوعة: "في شهادة"، ولم ترد زيادة "في" في نسخنا ولا في "المحلَّى" وهو مصدر النقل.
(٤) ذكره ابن حزم في "المحلى" (٩/ ٤١٥ - ٤١٦) عن ابن وهب به. وسنده كالأسطوانة، وعسى أن يكون ابن حزم نقله من طريق الثقات الأثبات، على ما عُهِد عنه. ثمّ رأيتُه في "المدوّنة" (٤/ ٢٠) من رواية سحنون، عن ابن وهب به. ورواه ابن جرير في "جامع البيان" (٧/ ٥٨٦) من طريق ابن المبارك عن يونس (وهو ابن يزيد الأيلي) به.