ومن يقول هي للإباحة أسعد بالحديث، وإلا تعطلت دلالته وفائدته٢. ولا يلزم من إباحة أخذه ما شاء من ماله أن لا تُقبل شهادته له بحال، مع القطع أو ظهور انتفاء التهمة، كما لو شهد له بنكاح أو حدٍّ أو ما لا تلحقه به تهمة.
قالوا: وأما كونه لا يُعطَى من زكاته، ولا يقاد به، ولا يُحدُّ به، ولا يثبت له في ذمته دَين، ولا يُحبَس به= فالاستدلال إنما يكون بما ثبت بنصٍّ أو إجماع، وليس معكم شيء من ذلك؛ فهذه مسائل نزاع، لا مسائل إجماع. ولو سُلِّم ثبوتُ الحكم فيها أو في بعضها لم يلزم منه عدمُ قبول شهادة أحدهما للآخر حيث تنتفي التهمة.
ولا تلازُمَ بين قَبول الشهادة وجَرَيان القصاص وثبوت الدين له في ذمته، لا عقلًا ولا شرعًا؛ فإن تلك الأحكام اقتضتها الأبوة التي تمنع من مساواته للأجنبي٣ في حدِّه به، وإقادته منه، وحبسه بدَينه؛ فإن منصب أبوته يأبى ذلك، وقبحُه مركوزٌ في فِطَر الناس. وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح. وأما الشهادة فهي خبرٌ يعتمد الصدق والعدالة، فإذا كان المخبِر به صادقًا، مبرِّزًا في العدالة، غيرَ متَّهمٍ في الإخبار به٤ = فليس قبولُ قولِه قبيحًا عند المسلمين، ولا تأتي
(١) انظر: "الروايتين والوجهين" (٣/ ٩٥).
(٢) ت، ع: "فائدته ودلالته". وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) يظهر أنه كان في ح: "مساواة الأجنبي"، فأصلحه بعضهم.
(٤) لم يرد "به" في النسخ المطبوعة.
الشريعة بردِّ خبر المخبِر به واتهامه.
قالوا: والشريعة مبناها على تصديق الصادق وقبولِ خبره، وتكذيبِ الكاذب، والتوقُّفِ في خبر الفاسق المتَّهَم. فهي لا ترُدُّ حقًّا، ولا تقبل باطلًا.
قالوا: وأما حديث عائشة، فلو ثبت لم يكن فيه دليل، فإنه إنما يدل على عدم قبول [٦٧/أ] شهادة المتَّهَم في قرابته أو ذي وَلائه١، ونحن لا نقبل شهادته إذا ظهرت تهمته. ثم منازعونا لا يقولون بالحديث، فإنهم لا يرُدُّون شهادة كلِّ قرابة، والحديث ليس فيه تخصيصٌ لقرابة الإيلاد بالمنع، وإنما فيه تعليق المنع بتهمة القرابة. فألغيتم وصفَ التهمة، وخصصتم وصفَ القرابة بفردٍ منها؛ فكنا نحن أسعدَ بالحديث منكم، وبالله التوفيق.
وقد قال محمد بن الحكم٢: إن أصحاب مالك يُجيزون شهادة الأب والابن٣ والزوج والزوجة على أنه وكَّل فلانًا، ولا يُجيزون شهادتهم أن فلانًا وكَّلَه؛ لأن الذي يوكَّل لا يُتَّهمان عليه في شيء٤.
وأما شهادة الأخ لأخيه فالجمهور يجوِّزونها٥. وهو الذي في
(١) في النسخ المطبوعة: "ولاية"، وهو خطأ.
(٢) أضاف بعض قرّاءِ ت قبل "الحكم" في الحاشية: "عبد" مع علامة صح. يعني: "عبد الحكم"، وهو خطأ.
(٣) بعده في النسخ المطبوعة: "والأخ". ولم ترد هذه الزيادة في النسخ الخطية ولا في مصدر النقل.