قالوا: والشريعة مبناها على تصديق الصادق وقبولِ خبره، وتكذيبِ الكاذب، والتوقُّفِ في خبر الفاسق المتَّهَم. فهي لا ترُدُّ حقًّا، ولا تقبل باطلًا.
قالوا: وأما حديث عائشة، فلو ثبت لم يكن فيه دليل، فإنه إنما يدل على عدم قبول [٦٧/أ] شهادة المتَّهَم في قرابته أو ذي وَلائه١، ونحن لا نقبل شهادته إذا ظهرت تهمته. ثم منازعونا لا يقولون بالحديث، فإنهم لا يرُدُّون شهادة كلِّ قرابة، والحديث ليس فيه تخصيصٌ لقرابة الإيلاد بالمنع، وإنما فيه تعليق المنع بتهمة القرابة. فألغيتم وصفَ التهمة، وخصصتم وصفَ القرابة بفردٍ منها؛ فكنا نحن أسعدَ بالحديث منكم، وبالله التوفيق.
وقد قال محمد بن الحكم٢: إن أصحاب مالك يُجيزون شهادة الأب والابن٣ والزوج والزوجة على أنه وكَّل فلانًا، ولا يُجيزون شهادتهم أن فلانًا وكَّلَه؛ لأن الذي يوكَّل لا يُتَّهمان عليه في شيء٤.
وأما شهادة الأخ لأخيه فالجمهور يجوِّزونها٥. وهو الذي في
(١) في النسخ المطبوعة: "ولاية"، وهو خطأ.
(٢) أضاف بعض قرّاءِ ت قبل "الحكم" في الحاشية: "عبد" مع علامة صح. يعني: "عبد الحكم"، وهو خطأ.
(٣) بعده في النسخ المطبوعة: "والأخ". ولم ترد هذه الزيادة في النسخ الخطية ولا في مصدر النقل.
"التهذيب"١ من رواية ابن القاسم عن مالك، إلا أن يكون في عياله. وقال بعض المالكية: لا تجوز إلا على شرط: ثم اختلف هؤلاء، فقال بعضهم: هو أن يكون مبرِّزًا في العدالة. وقال بعضهم: إذا لم تنله صلته. وقال أشهب: تجوز في اليسير دون الكثير٢، فإن كان مبرِّزًا جاز في الكثير. وقال بعضهم: تقبل مطلقًا إلا فيما تتضح٣ فيه التهمة، مثل أن يشهد له بما يكتسب٤ به الشاهد شرفًا وجاهًا٥.
والصحيح أنه تقبل شهادة الابن لأبيه والأب لابنه فيما لا تهمة فيه. ونصَّ عليه أحمد، فعنه في المسألة ثلاث روايات: المنع، والقبول فيما لا تهمة فيه، والتفريق بين شهادة الابن لأبيه فتُقبل، وشهادة الأب لابنه فلا تقبل٦. واختار ابن المنذر القَبول كالأجنبي٧.
وأما شهادة أحدهما على الآخر [٦٧/ب] فنصَّ الإمام أحمد على قبولها. وقد دل عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾[النساء: ١٣٥]. وقد حكى بعض٨