وأقوى الأسباب في ردِّ الشهادة والفتيا والرواية: الكذب، لأنه فساد في نفس آلة الشهادة والفتيا والرواية. فهو بمثابة شهادة الأعمى على رؤية الهلال، وشهادة الأصمِّ الذي لا يسمع على إقرار المُقِرِّ. فإن اللسان الكذوب بمنزلة العضو الذي قد تعطَّل نفعُه، بل هو شرٌّ منه، فشرُّ ما في المرء لسان كذوب. ولهذا يجعل الله سبحانه شعارَ الكاذب عليه يوم القيامة، وشعارَ الكاذب على رسوله= سوادَ وجوههم.
والكذب له تأثير عجيب١ في سواد الوجه، ويكسوه بُرْقُعًا من المقت يراه كلُّ [٧٠/أ] صادق؛ فسيما الكذَّاب٢ في وجهه٣ ينادي عليه لمن له عينان. والصادق يرزقه الله مهابةً وحلاوةً٤، فمن رآه هابه وأحبَّه. والكاذب
(١) في النسخ المطبوعة: "عظيم".
(٢) في النسخ المطبوعة: "الكاذب".
(٣) "والكذب له تأثير ... وجهه" ساقط من ع.
(٤) في النسخ المطبوعة: "وجلالة". وقوله: "هابه وأحبَّه" مرتَّب على المهابة والحلاوة.
يرزقه الله مهانةً١ ومقتًا، فمن رآه مقَته واحتقره. وبالله التوفيق.
فصل
وقول أمير المؤمنين في كتابه: "أو مجلودًا في حدٍّ" المراد به القاذف إذا حُدَّ للقذف لم تُقبَل شهادته بعد ذلك، وهذا متفق عليه بين الأمة قبل التوبة، والقرآن نصٌّ فيه٢.
وأما إذا تاب، ففي قبول شهادته قولان مشهوران للعلماء: أحدهما: لا تقبل، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأهل العراق٣.
والثاني: تقبل، وهو قول الشافعي وأحمد ومالك٤.
وقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: شهادة القاذف٥ لا تجوز وإن تاب٦.
(١) لم يرد لفظ الجلالة في ت، ع. وفي النسخ المطبوعة: "يرزقه إهانة".
(٥) في النسخ المطبوعة: "الفاسق". وكذا في ع، والصواب ما أثبت من غيرها و"المحلَّى" وهو مصدر النقل.
(٦) بهذا اللفظ علَّقه ابن حزم في "المحلَّى" (٩/ ٤٣١). ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في "الناسخ والمنسوخ" (٢٦٩)، وأبو بكر الجصاص في"أحكام القرآن" (٥/ ١١٨)، وسنده ضعيف منقطع، والخراساني لم يسمع من ابن عباس. ورواه أيضًا أبو داود في"الناسخ والمنسوخ"، وابن المنذر في "التفسير"، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (١٠/ ٦٣٠). ووازِن بـ "المكتفي" لأبي عمرو الداني (١٠٦).