[٧٣/أ] كان نتيجة الفسق، وقد زال؛ بخلاف مسألتنا، فإنّا قد بينّا أن ردَّها من تتمة الحدِّ، فافترقا.
قال القابلون١: تغلُّظ٢ الزجر لا ضابط له، وقد حصلت مصلحةُ الزجر بالحد. وكذلك سائر الجرائم جعل الشارعُ مصلحة الزجر عليها بالحدِّ، وإلا فلا تطلَّق نساؤه، ولا يؤخذ مالُه، ولا يُعزَل عن مناصبه، ولا تسقط روايته، لأنه أغلظ٣ في الزجر، وقد أجمع المسلمون على قبول رواية أبي بكرة ﵁. وتغلُّظُ٤ الزجر من الأوصاف المنتشرة التي لا تنضبط، وقد حصل إيلامُ القلب والبدن والنكايةُ في النفس بالضرب الذي أخذ من ظهره.
وأيضًا فإنّ ردَّ الشهادة لا ينزجر به أكثر القاذفين، وإنما يتأثَّر بذلك وينزجر أعيانُ الناس، وقلَّ أن يوجد القذف من أحدهم. وإنما يوجد غالبًا من الرَّعاع والسَّقَط ومن لا يبالي بردِّ شهادته وقبولها.
وأيضًا فكم من قاذف انقضى عمره، وما أدَّى شهادة عند حاكم.
(١) س، ت، ف: "القائلون"، تصحيف. وكذا في المطبوع، وأثبت بعده: "بقبولها"، ونبَّه في الهامش على أنه ساقط من الطبعات السابقة. فهل هذه الزيادة ثابتة في النسخ الخطية المعتمدة فيه؟
(٢) ع: "تغليظ"، وكذا في النسخ المطبوعة. وقد سبق لفظ "التغلظ" من قبل أيضًا، وسيأتي.
(٣) في المطبوع بعده: "عليه"، وقال في الهامش: "إنه ساقط من المطبوع". ولم ترد هذه الزيادة في شيء من النسخ التي بين أيدينا.
(٤) ع: "تغليظ".
ومصلحةُ الزجر إنما تكون بمنع النفوس ما١ هي محتاجة إليه، وهو كثير الوقوع منها، ثم هذه المناسبة التي ذكرتموها يعارضها ما هو أقوى منها. فإنَّ ردَّ الشهادة أبدًا يلزم٢ منه مفسدةُ فواتِ الحقوق على الغير، وتعطيلُ الشهادة في محلِّ الحاجة إليها. ولا يلزم مثل ذلك في القبول، فإنه لا مفسدة فيه في حقِّ الغير من عَدْلٍ تائبٍ قد أصلح ما بينه وبين الله. ولا ريب أنَّ اعتبارَ مصلحةٍ لا يلزم٣ منها مفسدةٌ أولى من اعتبار مصلحةٍ يلزم منها عدَّةُ مفاسد في [٧٣/ب] حقِّ الشاهد وحقِّ٤ المشهود له وعليه. والشارع له تطلُّعٌ إلى حفظِ الحقوق على مستحقِّها٥ بكلِّ طريق، وعدمِ إضاعتها؛ فكيف يبطل حقًّا قد٦ شهد به عدلٌ رِضًى٧ مقبولُ الشهادة على رسول الله ﷺ وعلى دينه روايةً وفتوَى؟
وأما قولكم: "إن العقوبة تكون في محلِّ الجناية" فهذا غير لازم، لما تقدَّم من عقوبة الشارب والزاني. وقد جعل الله سبحانه عقوبةَ هذه الجريمة
(١) في المطبوع: "في منع النفوس مما". وقد جاء "مما" في ع، لكن النسخ الأخرى اتفقت على "بمنع النفوس". و"المنع" يتعدَّى بنفسه وبحرف مِن.
(٢) كذا في ح، س. وأهمل حرف المضارع في النسخ الأخرى. وفي النسخ المطبوعة: "تلزم"، وكلاهما جائز.
(٣) ع: "يلزم" دون لا النافية، وكذا في النسخ المطبوعة. والصواب ما أثبت من سائر النسخ.
(٤) لم يرد: "وحقّ" في ح، ف.
(٥) ع: "مستحقيها"، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٦) ح، ف: "وقد".
(٧) كذا ضبط في ع، وهو الراجح. وضبط في المطبوع بفتح الراء وكسر الضاد.