إعلام الموقعين

وهذه حال أئمة المتقين الذين وصفهم الله في كتابه بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. فبالصبر تُترَك الشهوات، وباليقين تُدفَع الشبهات، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]١.

وفي بعض المراسيل: إن الله يحب البصر الناقد٢ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات٣.

  1. (١) "الاقتضاء" (١/ ١٢٠). وانظر: "إغاثة اللهفان" (٢/ ٩٠٣)، و"زاد المعاد" (٣/ ١٠).
  2. (٢) أهمل القاف والدال في ح. وفي س: "البصير النافد". والمثبت من ع، ف، وكذا في "الاقتضاء"، و"درء التعارض" (٥/ ١٣١، ٢٦٤). وفي "الإغاثة" (٢/ ٩٠٤) و"درء التعارض" (٢/ ١٠٥)، (٩/ ٢٢)، و"مجموع الفتاوى" (٧/ ٥٤٠) وغيره: "النافذ". وقال الزبيدي في "إتحاف السادة" (١٠/ ١٠٥): "بالقاف، أو هو بالفاء والذال".
  3. (٣) قال الإمام ابن تيمية في "درء التعارض" (٥/ ١٣١): "رواه البيهقي مرسلا". وإنما وجدتُه موصولا، رواه أبو بكر النجاد في "جزء من حديثه" (١٨) ــ ومن طريقه أبو مطيع في "جزءين من أماليه" (٤٩) ــ، وابن جميع في "معجم شيوخه" (ص ٨٨) ــ ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" (٥٢/ ١٣٨) ــ، ومحمد بن الحسين السلمي الصوفي في "الأربعين في التصوف" (٧)، وأبو نعيم في "الطب" (٦٦)، وفي"حلية الأولياء" (٦/ ١٩٩)، وفي "الأربعين على مذهب المتحققين من الصوفية" (٢٥)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٠٨٠، ١٠٨١)، والبيهقي في "الزهد" (٩٥٤)، وقوام السنة الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (٤١١)، من حديث عمران بن حصين مرفوعا، وسنده واهٍ جدّا، آفته عمر بن حفص العبدي، على أن هلال بن العلاء (الراوي عنه) صاحب عجائب وأوابد.
288

فقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ إشارة إلى اتباع الشهوات، وهو داء العصاة. وقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ إشارة إلى الشبهات، وهو داء المتبدعة وأهل الأهواء والخصومات. وكثيرًا ما يجتمعان، فقلَّ من تجده فاسد الاعتقاد إلا وفساد اعتقاده يظهر في عمله.

والمقصود: أنَّ الله أخبر أنَّ في هذه الأمة من يستمتع بخلاقه كما استمتع الذين من قبله بخلاقهم، ويخوض كخوضهم؛ وأنهم لهم من الذمِّ والوعيد كما للذين من قبلهم. ثم حضَّهم على القياس والاعتبار بمن قبلهم، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: ٧٠].

فتأمَّلْ صحةَ هذا القياس وإفادتَه لمن عُلِّق عليه [٧٩/ب] من الحكم، وأنَّ الأصل والفرع قد تساويا في المعنى الذي عُلِّق به العقاب. وأكَّده ــ كما تقدَّم - بضرب من الأَولى، وهو شدة القوة وكثرة الأموال والأولاد؛ فإذا لم يتعذَّر على الله عقابُ الأقوى منهم بذنبه، فكيف يتعذَّر عليه عقابُ مَن هو دونه؟

ومنه: قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣]. فهذا قياس جليّ، يقول سبحانه: إن شئتُ

289

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي