يقول سبحانه: إن كنتم في ريب من البعث، فلستم ترتابون في أنكم مخلوقون، ولستم ترتابون في مبدأ خلقكم من حال إلى حال إلى حين الموت. والبعثُ الذي وُعِدتم به نظيرُ النشأة الأولى، فهما نظيران في الإمكان والوقوع، فإعادتُكم بعد الموت خلقًا جديدًا كالنشأة الأولى التي لا ترتابون فيها. فكيف تنكرون إحدى النشأتين مع مشاهدتكم لنظيرها؟
وقد أعاد الله١ سبحانه ذِكرَ٢ هذا المعنى وأبداه في كتابه بأوجز العبارات، وأدلِّها، وأفصحِها، وأقطعِها للعذر، وألزمِها للحجَّة؛ كقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ٥٨ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ٥٩ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ٦٠ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ٦١ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾[الواقعة: ٥٨ - ٦٢]، فدلَّهم بالنشأة الأولى على الثانية، وأنهم لو تذكَّروا لعلموا أنه٣ لا فرق بينهما في تعلُّق القدرة بكلِّ واحدة منهما.
أحدها: قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾[يس: ٧٧]، فذكَّره مبدأَ خلقه، لِيدلَّه به على النشأة الثانية.
(١) في ع والنسخ المطبوعة: "بين النشأتين"، ولعل بعض النساخ ظنَّ كلمة "ذكر" مقحمة، فحذفها. ولكن انظر إلى قوله في "إغاثة اللهفان" (٢/ ٩٠٢): "وقد جمع سبحانه بين ذكر الفتنتين في قوله ... ". وفي "مفتاح دار السعادة" (١/ ١٤٧): "وقد جمع الله سبحانه بين ذكر هذين النورين، وهما الكتاب والإيمان، في غير موضع من كتابه".
(٢) راجع كلام المصنف على هذه الآية في "الصواعق المرسلة" (٢/ ٤٨٠ - ٤٨١).
(٣) يعني الآيات الأخيرة من سورة يس. وقد تكلم المصنف عليها بنحو ما جاء هنا في "الصواعق" (٢/ ٤٧٣ - ٤٧٧).