إعلام الموقعين

وقد جمع سبحانه بين ذكر النشأتين١ في قوله: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ [٨١/ب] الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ٤٥ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ٤٦ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٤٥ - ٤٧]، وفي قوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ٣٧ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾٢ [القيامة: ٣٧ - ٤٠]، وفي قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ٧٨ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ٧٩ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ٨٠ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ٨١ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٨٢ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٧٨ - ٨٣].

فتضمنت هذه الآيات٣ عشرة أدلة:

أحدها: قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧]، فذكَّره مبدأَ خلقه، لِيدلَّه به على النشأة الثانية.

  1. (١) في ع والنسخ المطبوعة: "بين النشأتين"، ولعل بعض النساخ ظنَّ كلمة "ذكر" مقحمة، فحذفها. ولكن انظر إلى قوله في "إغاثة اللهفان" (٢/ ٩٠٢): "وقد جمع سبحانه بين ذكر الفتنتين في قوله ... ". وفي "مفتاح دار السعادة" (١/ ١٤٧): "وقد جمع الله سبحانه بين ذكر هذين النورين، وهما الكتاب والإيمان، في غير موضع من كتابه".
  2. (٢) راجع كلام المصنف على هذه الآية في "الصواعق المرسلة" (٢/ ٤٨٠ - ٤٨١).
  3. (٣) يعني الآيات الأخيرة من سورة يس. وقد تكلم المصنف عليها بنحو ما جاء هنا في "الصواعق" (٢/ ٤٧٣ - ٤٧٧).
294

ثم أخبر أنَّ هذا الجاحد لو ذكر خلقه لما ضرب المثل، بل لمَّا نسي خلقَه ضرَبَ المثل. فتحت قوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ألطف جواب وأبين دليل. وهذا كما تقول لمن جحدك أن تكون قد أعطيته شيئًا: فلان جحدني الإحسان إليه، ونسي الثيابَ التي عليه، والمالَ الذي معه، والدارَ التي هو فيها؛ حيث لا يمكنه جحدُ أن يكون ذلك منك.

ثم أجيب عن سؤاله بما يتضمَّن أبلغَ الدليل على ثبوت ما جحده، فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. فهذا جواب واستدلال قاطع.

ثم أكَّد هذا المعنى بالإخبار١ بعموم علمه لجميع الخلق٢، فإنَّ تعذُّرَ الإعادة عليه إنما يكون لقصور في علمه٣ أو قصورٍ في قدرته. ولا قصورَ في علمِ مَن هو بكلِّ خلقٍ عليم، ولا قدرةِ٤ مَن خلَق السماوات والأرض، وإذا أراد شيئًا [٨٢/أ] قال له: كن، فيكون. وبيده ملكوتُ كلِّ شيء، فكيف تعجز قدرته وعلمه عن إحيائكم بعد مماتكم ولم تعجز عن النشأة الأولى ولا عن خلق السموات والأرض؟

ثم أرشد عباده إلى دليل واضح جليٍّ متضمِّن للجواب عن شبه المنكرين بألطف الوجوه وأبينها وأقربها إلى العقل، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾، فإن٥ هذا دليل على تمام

  1. (١) "بالإخبار" ساقط من ع.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: "بجميع خلقه".
  3. (٣) ما عدا س، ت: "لقصور علمه"، وكذا في النسخ المطبوعة.
  4. (٤) في النسخ المطبوعة: "ولا قدرة فوق قدرة" بزيادة "قدرة فوق".
  5. (٥) في النسخ المطبوعة: "فإذن"، وهو خطأ.
295

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي