إعلام الموقعين

ثم أخبر أنَّ هذا الجاحد لو ذكر خلقه لما ضرب المثل، بل لمَّا نسي خلقَه ضرَبَ المثل. فتحت قوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ألطف جواب وأبين دليل. وهذا كما تقول لمن جحدك أن تكون قد أعطيته شيئًا: فلان جحدني الإحسان إليه، ونسي الثيابَ التي عليه، والمالَ الذي معه، والدارَ التي هو فيها؛ حيث لا يمكنه جحدُ أن يكون ذلك منك.

ثم أجيب عن سؤاله بما يتضمَّن أبلغَ الدليل على ثبوت ما جحده، فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. فهذا جواب واستدلال قاطع.

ثم أكَّد هذا المعنى بالإخبار١ بعموم علمه لجميع الخلق٢، فإنَّ تعذُّرَ الإعادة عليه إنما يكون لقصور في علمه٣ أو قصورٍ في قدرته. ولا قصورَ في علمِ مَن هو بكلِّ خلقٍ عليم، ولا قدرةِ٤ مَن خلَق السماوات والأرض، وإذا أراد شيئًا [٨٢/أ] قال له: كن، فيكون. وبيده ملكوتُ كلِّ شيء، فكيف تعجز قدرته وعلمه عن إحيائكم بعد مماتكم ولم تعجز عن النشأة الأولى ولا عن خلق السموات والأرض؟

ثم أرشد عباده إلى دليل واضح جليٍّ متضمِّن للجواب عن شبه المنكرين بألطف الوجوه وأبينها وأقربها إلى العقل، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾، فإن٥ هذا دليل على تمام

  1. (١) "بالإخبار" ساقط من ع.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: "بجميع خلقه".
  3. (٣) ما عدا س، ت: "لقصور علمه"، وكذا في النسخ المطبوعة.
  4. (٤) في النسخ المطبوعة: "ولا قدرة فوق قدرة" بزيادة "قدرة فوق".
  5. (٥) في النسخ المطبوعة: "فإذن"، وهو خطأ.
295

قدرته وإخراج الأموات من قبورهم، كما أخرج النار من الشجرة الخضراء. وفي ذلك جواب عن شبهة من قال من منكري المعاد: الموت بارد يابس، والحياة طبعها الرطوبة والحرارة، فإذا حلَّ الموتُ بالجسم لم يمكن أن تحُلَّ به١ الحياة بعد ذلك لتضادِّ ما بينهما. وهذه شبهة تليق بعقل٢ المكذِّبين الذين لا سمع لهم ولا عقل، فإن الحياة لا تجامع الموت في المحلِّ الواحد ليلزم ما قالوا، بل إذا أوجد الله فيه الحياةَ وطبعَها ارتفع الموتُ وطبعُه. وهذا الشجر الأخضر طبعُه البرودة والرطوبة٣ تخرج منه النار الحارَّة اليابسة.

ثم ذكر ما هو أوضح للعقول من كلِّ دليل، وهو خلقُ السموات والأرض مع عظمهما وسعتهما وأنه لا نسبة للخلق الضعيف إليهما. ومن لم تعجز قدرته وعلمه عن هذا الخلق العظيم الذي هو أكبر من خلق الناس، كيف تعجز عن إحيائهم بعد موتهم؟

ثم قرَّر هذا المعنى بذكر وصفين من أوصافه مستلزِمين لما أخبر به، فقال: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾. فكونُه خلاقًا عليمًا يقتضي أنه يخلق ما يشاء، ولا يُعجِزه ما أراده من الخلق.

ثم قرَّر هذا المعنى بأن عموم إرادته وكمالها لا يَقصُر عنه ولا عن شيء أبدًا، [٨٢/ب] فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فلا

  1. (١) س، ت، ع: "فيه"، وكذا في النسخ المطبوعة.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: "بعقول".
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: "الرطوبة والبرودة".
296

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي