إعلام الموقعين

قدرته وإخراج الأموات من قبورهم، كما أخرج النار من الشجرة الخضراء. وفي ذلك جواب عن شبهة من قال من منكري المعاد: الموت بارد يابس، والحياة طبعها الرطوبة والحرارة، فإذا حلَّ الموتُ بالجسم لم يمكن أن تحُلَّ به١ الحياة بعد ذلك لتضادِّ ما بينهما. وهذه شبهة تليق بعقل٢ المكذِّبين الذين لا سمع لهم ولا عقل، فإن الحياة لا تجامع الموت في المحلِّ الواحد ليلزم ما قالوا، بل إذا أوجد الله فيه الحياةَ وطبعَها ارتفع الموتُ وطبعُه. وهذا الشجر الأخضر طبعُه البرودة والرطوبة٣ تخرج منه النار الحارَّة اليابسة.

ثم ذكر ما هو أوضح للعقول من كلِّ دليل، وهو خلقُ السموات والأرض مع عظمهما وسعتهما وأنه لا نسبة للخلق الضعيف إليهما. ومن لم تعجز قدرته وعلمه عن هذا الخلق العظيم الذي هو أكبر من خلق الناس، كيف تعجز عن إحيائهم بعد موتهم؟

ثم قرَّر هذا المعنى بذكر وصفين من أوصافه مستلزِمين لما أخبر به، فقال: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾. فكونُه خلاقًا عليمًا يقتضي أنه يخلق ما يشاء، ولا يُعجِزه ما أراده من الخلق.

ثم قرَّر هذا المعنى بأن عموم إرادته وكمالها لا يَقصُر عنه ولا عن شيء أبدًا، [٨٢/ب] فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فلا

  1. (١) س، ت، ع: "فيه"، وكذا في النسخ المطبوعة.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: "بعقول".
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: "الرطوبة والبرودة".
296

يمكنه الاستعصاء عليه، ولا يتعذَّر عليه، بل يأتي طائعًا منقادًا لمشيئته وإرادته.

ثم زاده تأكيدًا وإيضاحًا بقوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، فنزَّه نفسه عما يظنّ به أعداؤه المنكرون للمعاد معظِّمًا لها بأنَّ ملك كلِّ شيء بيده، يتصرَّف فيه تصرُّفَ المالك الحقِّ في مملوكه الذي لا يمكنه الامتناع عن أيِّ تصرُّفٍ شاءه فيه.

ثم ختم السورة بقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. كما أنهم ابتدؤوا منه هو، فكذلك مرجعهم إليه. فمنه المبدأ، وإليه المعاد، وهو الأول والآخر. ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢].

ومنه: قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ٦٦ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٧]، فتأمل تضمُّنَ١ هذه الكلمات ــ على اختصارها وإيجازها وبلاغتها ــ للأصل والفرع والعلَّة والحكم.

ومنه: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩]٢. فردَّ عليهم سبحانه ردًّا يتضمَّن الدليل القاطع على قدرته على إعادتهم خلقًا جديدًا، فقال: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا

  1. (١) بعض قرَّاء ت ضرب على "تضمن" هنا، ووضع علامة بعد "بلاغتها"، وكتب في الطرة: "وتضمُّنها". أراد إصلاح المتن بزعمه.
  2. (٢) قارن بكلام المؤلف على هذه الآية وما بعدها في "الصواعق" (٢/ ٤٧٨ - ٤٨٠).
297

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي