ثم ذكر المثل الناري فقال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ٢ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ وهو الخَبَث الذي يخرج عند سَبْك الذهب والفضة والنحاس والحديد، فتُخرجه النار، وتميِّزه، وتفصله عن الجوهر الذي يُنتفَع به، فيُرمى ويُطرَح ويذهب جُفاءً. فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلبُ المؤمن ويطرحها ويجفوها، كما يطرح السيلُ والنارُ ذلك الزَّبد والغثاء والخبث، ويستقرُّ في قرار الوادي الماءُ الصافي الذي يستقي منه الناس، ويزرعون، ويسقون أنعامهم. [٨٩/أ] كذلك يستقِرُّ في قرار القلب وجِذْره الإيمانُ الخالص الصافي الذي ينفع صاحبَه وينتفع به غيرُه. ومن لم يفقه هذين المثلين، ولم يتدبَّرهما ويعرِفْ ما يراد منهما، فليس من أهلهما. والله الموفق.
شبَّه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزيَّن في عين الناظر، فتروقه بزينتها وتُعجِبه، فيميل إليها ويهواها اغترارًا منه بها، حتّى إذا ظنَّ أنه مالكٌ لها قادرٌ
(١) ت: "يشاركها"، وكذا في الطبعات القديمة.
(٢) وهنا أيضًا في س، ح: "توقدون" على قراءة أبي عمرو، كما سبق.
عليها سُلِبَها بغتةً أحوجَ ما كان إليها، وحيل بينه وبينها. فشبَّهها بالأرض التي ينزل الغيثُ عليها فتُعْشِب، ويحسُن نباتها، ويروق منظرها للناظر، فيغترُّ به، ويظنُّ أنه قادر عليها، مالك لها. فيأتيها أمرُ الله، فتدرك نباتَها الآفةُ بغتةً، فتصبح كأن لم تكن قبل، فيخيب ظنُّه، وتصبح يداه صفرًا منها. فهكذا حال الدنيا والواثقِ بها سواء. وهذا من أبلغ التشبيه والقياس. ولما كانت الدنيا عرضةً لهذه الآفات، والجنةُ سليمةً منها، قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[يونس: ٢٥]١. فسمَّاها هنا "دار السلام" لسلامتها من هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا، فعمَّ بالدعوة إليها، وخصَّ بالهداية من يشاء. فذاك عدلُه، وهذا فضلُه٢.
فصل
[٨٩/ب] ومنها: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾[هود: ٢٤]. فإنه سبحانه ذكر الكفار، ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون السمعَ وما كانوا يبصرون. ثم ذكر المؤمنين، ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى ربِّهم، فوصفهم بعبودية الظاهر والباطن. جعل٣ أحد الفريقين كالأعمى والأصمِّ من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق، أصمَّ عن سماعه؛ فشبَّهه بمن بصرُه أعمى عن رؤية الأشياء، وسمعُه أصمُّ عن سماع الأصوات. والفريق الآخر
(١) "ويهدي ... " إلخ من ت وحدها. وستأتي الإشارة إليه في كلام المصنف.
(٢) وانظر: "عدة الصابرين" (ص ٣٣٤ - ٣٣٥).
(٣) في النسخ المطبوعة: "وجعل". ولم ترد الواو في شيء من النسخ المعتمدة.