[٩١/ب] مظلم. فهو في ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السحاب. وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يُخرجه الله منها إلى نور الإيمان.
وهذان المثلان بالسَّرابِ الذي ظنَّه مادَّةَ الحياة وهو١ الماء، والظلماتِ المضادَّة للنور= نظيرُ المثلين اللذين ضربهما الله للمنافقين والمؤمنين، وهما المثل المائي والمثل الناري، وجعل حظَّ المؤمنين منهما الحياةَ والإشراق، وحظَّ المنافقين منهما الظلمةَ المضادَّةَ للنور، والموتَ المضادَّ للحياة؛ فكذلك الكفارُ في هذين المثلين، حظُّهم من الماء السرابُ الذي يغُرُّ الناظرَ ولا حقيقة له، وحظُّهم الظلمات المتراكمة.
وهذا يجوز أن يكون المراد به حال كلِّ طائفة من طوائف الكفار، وأنهم عدِموا مادةَ الحياة والإضاءة بإعراضهم عن الوحي؛ فيكون المثلان صفتين لموصوف واحد. ويجوز أن يكون المراد به تنويع أحوال الكفار، وأن أصحاب المثل الأول هم الذين عملوا على غير علم ولا بصيرة، بل على جهل وحسن ظن بالأسلاف، فكانوا يحسبون أنهم يُحسنون صنعًا. وأصحاب المثل الثاني هم الذين استحبُّوا الضلالة على الهدى، وآثروا الباطل على الحق، وعَمُوا عنه بعد أن أبصروه، وجحدوه بعد أن عرفوه. فهذا حال المغضوب عليهم، والأول حال الضالِّين. وحال الطائفتين مخالف لحال المنعم عليهم المذكورين في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[النور: ٣٥ - ٣٨]. فتضمَّنت الآيات
(١) في المطبوع: "هما"، وهو خطأ.
أوصاف الفِرَق الثلاثة١: المنعَم [٩٢/أ] عليهم وهم أهل النور، والضالين وهم أصحاب السَّراب، والمغضوب عليهم وهم أهل الظلمات المتراكمة. والله أعلم.
فالمثل الأول من المثلين لأصحاب العمل الباطل الذي لا ينفع، والمثل الثاني لأصحاب العلوم والنظر والأبحاث التي لا تنفع. فأولئك أصحاب العمل الباطل، وهؤلاء أصحاب العلم الذي لا ينفع والاعتقادات الباطلة، وكلاهما مضاد للهدى ودين الحق. ولهذا مثَّل حالَ الفريق الثاني في تلاطُم أمواج الشكوك والشبهات والعلوم الفاسدة في قلوبهم، بتلاطم أمواج البحر فيه، وأنها أمواج متراكمة من فوقها سحاب مظلم. وهكذا أمواج الشكوك والشُّبَه في قلوبهم المظلمة التي قد تراكمت عليها سُحُبُ الغيِّ والهوى والباطل. فليتدبَّر اللبيب أحوال الفريقين، وليطابق بينهما وبين المثلين، يعرِفْ عظمةَ القرآن وجلالتَه، وأنه تنزيل من حكيم حميد.
وأخبر سبحانه أنَّ الموجِبَ لذلك أنه لم يجعل لهم نورًا، بل تركهم على الظلمة التي خُلِقوا فيها، فلم يُخرجهم منها إلى النور؛ فإنه سبحانه وليُّ الذين آمنوا يُخْرِجهم من الظلمات إلى النور. وفي "المسند"٢ من حديث عبد الله بن عمرو٣ أن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله خلَق خَلْقَه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ".
(١) كذا في النسخ موضع "الثلاث"، وهو جائز في الوصف.
(٢) (٦٦٤٤، ٦٨٥٤ م)، والترمذي (٢٦٤٢)، وقال: هذا حديث حسن. وصححه ابن حبان (٣٨٦٦)، والحاكم (١/ ٣٠ - ٣١).
(٣) في النسخ الخطية جميعًا: "عبد الله بن عمر"، وهو خطأ.