إعلام الموقعين

فصل

وفي الآية١ قول ثان مثل الآية الأولى سواء: أنه مثلٌ ضربه الله للمؤمن والكافر. وقد تقدَّم ما في هذا القول. والله الموفِّق٢.

فصل

ومنها: قوله تعالى في تشبيه من أعرض عن كلامه وتدبُّره: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ٤٩ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ٥٠ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١].

شبَّههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحُمُر رأت الأسدَ أو الرُّماةَ، ففرَّت منه. وهذا من بديع القياس التمثيلي، فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسولَه كالحُمُر، فهي٣ لا [٩٦/أ] تعقل شيئًا، فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشدَّ النفور. وهذا غاية الذمِّ لهؤلاء، فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم كنفور الحُمُر عمّا يُهلكها ويَعقِرها.

  1. (١) يعني قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية [النحل: ٧٦]. وانظر في تفسيرها أيضًا: "مدارج السالكين" (١/ ٤٣ - ٤٤)، (٣/ ٤٢٥)، و"مفتاح دار السعادة" (٢/ ١٠٦٠)، و"الصواعق المرسلة" (٣/ ١٠٣٥).
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: "وبالله التوفيق".
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: "وهي".
330

وتحت "المستنفِرة" معنى أبلغ من "النافرة"، فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضُها بعضًا، وحضَّه على النفور. فإن في الاستفعال من الطلب قدرًا زائدًا على الفعل المجرَّد، فكأنها تواصت بالنفور، وتواطأت عليه. ومن قرأها بفتح الفاء١، فالمعنى أن القسورة استنفرها وحملها على النفور ببأسه وشدته.

فصل

ومنها: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥].

فقاس من حمَّله سبحانه كتابَه ليؤمن به، ويتدبَّره، ويعملَ به ويدعو إليه؛ ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءتُه بغير تدبُّر ولا تفهُّمٍ ولا اتباعٍ له وتحكيمٍ٢ له وعملٍ بموجبه= كحمارٍ، على ظهره زاملةُ أسفار لا يدري ما فيها، وحظُّه منها حملُها على ظهره ليس إلا. فحظُّه من كتاب الله كحظِّ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره٣.

فهذا المثل وإن كان قد ضُرِب لليهود، فهو متناوِلٌ من حيث المعنى لمن حُمِّل القرآنَ، فترك العملَ به، ولم يؤدِّ حقَّه، ولم يَرْعَه حقَّ رعايته.

  1. (١) هي قراءة نافع وابن عامر من السبعة. انظر: "الإقناع" لابن الباذش (٢/ ٧٩٧).
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: "ولا تحكيم".
  3. (٣) وانظر: "اجتماع الجيوش الإسلامية" (ص ٤٩).
331

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي