وتحت "المستنفِرة" معنى أبلغ من "النافرة"، فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضُها بعضًا، وحضَّه على النفور. فإن في الاستفعال من الطلب قدرًا زائدًا على الفعل المجرَّد، فكأنها تواصت بالنفور، وتواطأت عليه. ومن قرأها بفتح الفاء١، فالمعنى أن القسورة استنفرها وحملها على النفور ببأسه وشدته.
فقاس من حمَّله سبحانه كتابَه ليؤمن به، ويتدبَّره، ويعملَ به ويدعو إليه؛ ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءتُه بغير تدبُّر ولا تفهُّمٍ ولا اتباعٍ له وتحكيمٍ٢ له وعملٍ بموجبه= كحمارٍ، على ظهره زاملةُ أسفار لا يدري ما فيها، وحظُّه منها حملُها على ظهره ليس إلا. فحظُّه من كتاب الله كحظِّ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره٣.
فهذا المثل وإن كان قد ضُرِب لليهود، فهو متناوِلٌ من حيث المعنى لمن حُمِّل القرآنَ، فترك العملَ به، ولم يؤدِّ حقَّه، ولم يَرْعَه حقَّ رعايته.
(١) هي قراءة نافع وابن عامر من السبعة. انظر: "الإقناع" لابن الباذش (٢/ ٧٩٧).
فشبَّه سبحانه من آتاه كتابه، وعلَّمه العلمَ الذي منعه غيره، فترك العملَ به، واتبع هواه، وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق= بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات، وأوضعها قدرًا، وأخسِّها١ نفسًا، وهمَّتُه لا تتعدَّى بطنه، وأشدِّها شرَهًا وحرصًا، ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخَطْمُه في الأرض يتشمَّم ويستَرْوِح حرصًا وشَرَهًا. ولا يزال يشَمُّ دُبُرَه دون سائر أجزائه، وإذا رميتَ إليه بحجر رجع إليه ليعَضَّه من فرط نهمته. وهو من أمهَنِ الحيوانات، وأحمَلِها للهوان، وأرضاها بالدنايا. والجِيَفُ القذِرةُ المُرْوِحةُ٢ أحبُّ إليه من اللحم الطري، والعذرةُ أحبُّ إليه من الحلوى. وإذا ظفر بميتة تكفي مائةَ كلب لم يدع كلبًا٣ يتناول معه٤ منها شيئًا إلّا عن غلبةٍ وقهرٍ٥، لحرصه وبخله وشرهه. ومن عجيب
(١) ت، ع: "أخبثها"، تصحيف.
(٢) أي المنتنة.
(٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة "واحدًا".
(٤) لم يرد "معه" في س، وزيد في ح فوق السطر بخط دقيق.
(٥) في ع تصحف "عن" إلى "عرّ"، وكلمة "غلبة" فيها مهملة، وبعدها "قهره" فأثبت في النسخ المطبوعة: "هَرَّ عليه وقهره". والصواب ما أثبتنا من النسخ الأخرى.