اللهث. وهكذا هذا١ الذي انسلخ من آيات الله، لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا وتركِ اللهف عليها. فهذا يلهف على الدنيا من قلة صبره عنها٢، وهذا يلهث من قلة صبره عن الماء. فالكلب من أقلِّ الحيوانات صبرًا عن الماء، وإذا عطِش أكَلَ الثَّرى من العطش، وإن كان فيه صبر على٣ الجوع. وعلى كلِّ حال فهو من أشدِّ الحيوانات لهثًا، يلهث قائمًا وقاعدًا وماشيًا وواقفًا. وذلك لشدة حرصه، فحرارةُ الحرص في كبده تُوجِب له دوامَ اللهث. فهكذا مشبَّهُه، شدةُ حرارة الشهوة٤ في قلبه توجب له دوام اللهف٥، فإن حملتَ عليه بالموعظة والنصيحة فهو يلهف٦، وإن تركته ولم تعظه فهو يلهف.
قال مجاهد: وذلك مثل٧ الذي أوتي الكتاب ولا يعمل٨ به٩.
(١) "هذا" ساقط من ع، وكذا من النسخ المطبوعة.
(٢) ع: "عليها".
(٣) من س، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي غيرها: "عن".
(٩) رواه آدم بن أبي إياس في "التفسير" (ص ٣٤٧)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (٥/ ١٦٢٠) من رواية ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. ورواه ابن جرير في "جامع البيان" (١٠/ ٥٨٦) من طريق عيسى (وهو ابن ميمون)، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ومن طريق ابن جريج، عن مجاهد. ورواه أيضًا عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٦٧٨).
وقال ابن عباس: إن تحمِل عليه الحكمةَ لم يحمِلها، وإن تركته لم يهتد إلى خير، [٩٧/ب] كالكلب إن كان رابضًا لهَثَ، وإن طُرِد لهَث١.
وقال الحسن: هو المنافق لا يثبُت على الحق، دُعِيَ أو لم يُدْعَ، وُعِظ أو لم يُوعَظ، كالكلب يلهَث طُرِد أو تُرِك٢.
وقال عطاء: ينبح إن حملتَ عليه أو لم تحمل عليه٣.
وقال أبو محمد ابن قتيبة٤: كلُّ شيء يلهَث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة، وحال الصحة وحال المرض والعطش٥. فضربه الله مثلًا لمن كذَّب بآياته، وقال: إن وعظتَه٦ فهو ضالٌّ وإن تركتَه فهو ضالٌّ، كالكلب إن طردتَه لهَثَ، وإن تركتَه على حاله لهَثَ.
(١) رواه ابن جرير في "جامع البيان" (١٠/ ٥٨٧) وابن أبي حاتم في "التفسير" (٥/ ١٦٢٠) من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. ورواه أيضًا ابن المنذر، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٦٧٨).
(٢) لم أجده مسندًا عن الحسن بهذا التمام، بل رأيت أبا إسحاق الثعلبي علّقه في "الكشف والبيان" (٤/ ٣٠٩)، لكن روى ابن جرير في "جامع البيان" (١٠/ ٥٨٩) من طريق قتادة عن الحسن قال: هو المنافق.
(٣) لم أره مسندًا عن عطاء، بل رأيت أبا إسحاق الثعلبي علّقه في "الكشف والبيان" (٤/ ٣٠٩).
(٤) في "تأويل مشكل القرآن" (ص ٣٦٩ - ٣٧٠)، ولكن المصنف ينقل من "الكشف والبيان" للثعلبي (٤/ ٣٠٩).
(٥) في "تأويل المشكل": "وحال الرِّيِّ وحال العطش". وكذا فيما نقله المصنف عن ابن قتيبة في "الفوائد" (ص ١٤٩). ولعل كلمة "الري" كانت مطموسة في نسخة "الكشف والبيان"، فأثبت ناشره بين معقوفتين: "الجوع".