إعلام الموقعين

ونظيره قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣].

وتأمَّلْ ما في هذا المثل من الحِكَم والمعنى. فمنها: قوله: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾، فأخبر سبحانه أنه هو الذي آتاه آياته، فإنها نعمة، والله هو الذي أنعم بها عليه، فأضافها إلى نفسه. ثم قال: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي خرج منها كما تنسلخ الحيَّةُ من جِلدها، وفارقها فراقَ الجلدِ يُسلَخ عن اللحم. ولم يقل: "فسلخناه منها"، لأنه هو الذي تسبَّب إلى انسلاخه منها باتباع هواه.

ومنها: قوله سبحانه: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾، أي لحقه وأدركه، كما قال تعالى في قوم فرعون: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]. وكان محفوظًا محروسًا بآيات الله، محميَّ الجانب بها من الشيطان، لا ينال منه شيئًا إلا على غِرَّة وخَطْفة. فلما انسلخ من آيات الله ظفر به الشيطانُ ظفَرَ الأسد بفريسته، فكان من الغاوين العاملين بخلاف [٩٨/أ] علمهم، الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافه، كعلماء السوء.

ومنها: أنه سبحانه قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾، فأخبر سبحانه أن الرِّفعة عنده ليست بمجرَّد العلم، فإن هذا كان من العلماء؛ وإنما هي باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله. فإنَّ هذا كان من أعلم أهل زمانه، ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به. فنعوذ بالله من علم لا ينفع. وأخبر سبحانه أنه هو الذي يرفع عبده إذا شاء بما آتاه من العلم، وإن لم يرفعه الله فهو موضوع لا يرفع أحدٌ به رأسًا؛ فإنَّ الخافض الرافع ــ سبحانه ــ خفَضَه ولم يرفعه. والمعنى: لو شئنا فضَّلناه، وشرَّفناه، ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه.

336

قال ابن عباس: ولو شئنا لرفعناه بعلمه بها١.

وقالت طائفة: الضمير في قوله: ﴿لَرَفَعْنَاهُ﴾ عائد على الكفر، والمعنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكفرَ بما معه من آياتنا. قال مجاهد٢ وعطاء٣: لرفعنا عنه الكفر بالإيمان٤، وعصمناه. وهذا المعنى حقٌّ، والأول هو مراد الآية، وهذا من لوازم المراد. وقد تقدَّم٥ أن السلف كثيرًا ما ينبِّهون على لازم معنى الآية، فيظنّ الظانُّ أن ذلك هو المراد منها.

وقوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾.

قال سعيد بن جبير: رَكَن إلى الأرض٦.

  1. (١) رواه سُنيد بن داود في "التفسير" ــ ومن طريقه ابن جرير في "جامع البيان" (١٠/ ٥٨٢) عن حجاج (وهو المصيصي)، عن ابن جريج عن ابن عباس، وهو منقطع.
  2. (٢) رواه آدم بن أبي إياس في "التفسير" (ص ٣٤٧)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (٥/ ١٦١٩) من رواية ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. ورواه ابن جرير في "جامع البيان" (١٠/ ٥٨٣) من طريق عيسى (وهو ابن ميمون)، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ومن طريق ابن جريج، عن مجاهد.
  3. (٣) لم أره مسندا عن عطاء، بل رأيت أبا إسحاق الثعلبي علّقه عنه في "الكشف والبيان" (٤/ ٣٠٨).
  4. (٤) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وفي "الكشف والبيان" المطبوع (٤/ ٣٠٨) ــ ومنه ينقل المؤلف ــ: "بالآيات". وكذا في "تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٤).
  5. (٥) في (١/ ٣٢٥).
  6. (٦) رواه ابن جرير في "جامع البيان" (١٠/ ٥٨٤)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (٥/ ١٦١٩).
337

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي