وهذا من أحسن القياس التمثيلي، فإنه شبَّه تمزيقَ عِرْض الأخ بتمزيق لحمه. ولما كان المغتابُ يمزِّق عرضَ أخيه في غَيبته كان بمنزلة من يقطِّع لحمَه في حال غيبة روحه عنه بالموت. ولما كان المغتاب عاجزًا عن دفعه عن نفسه بكونه غائبًا عن ذمِّه [٩٩/ب] كان بمنزلة الميِّت الذي يقطَّع لحمُه، ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ولما كان مقتضى الأخوة التراحم والتواصل والتناصر، فعلَّق عليها المغتابُ ضدَّ مقتضاها من الذم والعيب والطعن= كان ذلك نظير تقطيعه٢ لحمَ أخيه، والأخوةُ تقتضي حفظه وصيانته والذبَّ عنه. ولما كان المغتاب متفكِّهًا بعرض أخيه، متمتِّعًا٣ بغيبته وذمه، متحلِّيًا بذلك= شُبِّه بآكل لحم أخيه بعد تقطيعه. ولما كان المغتاب محبًّا لذلك معجَبًا به شُبِّه بمن يحبُّ أكلَ لحم أخيه ميتًا، ومحبتُه لذلك قدر زائد على
(١) وانظر في تفسير المثل أيضًا: "روضة المحبين" (ص ٢٨٨ - ٢٨٩)، و"الفوائد" (ص ١٤٧ - ١٤٩).
(٢) في النسخ المطبوعة: "تقطيع".
(٣) "بعرض أخيه متمتعًا" ساقط من ع. وفي النسخ المطبوعة: "متمتعًا بعرض أخيه، متفكهًا بغيبته وذمه".
مجرَّد أكله، كما أنَّ أكله قدر زائد على تمزيقه.
فتأمَّلْ هذا التشبيه والتمثيل، وحسنَ موقعه، ومطابقةَ المعقول فيه المحسوسَ١، وتأمَّلْ إخبارَه عنهم بكراهة أكل لحم الأخ ميتًا، ووصفَهم بذلك في آخر الآية، والإنكارَ عليهم في أولها أن يحبَّ أحدُهم ذلك. فكما أن هذا مكروه في طباعهم، فكيف يحبُّون ما هو مثله ونظيره؟ فاحتجَّ عليهم بما كرهوه على ما أحبُّوه، وشبَّه لهم ما يحبُّونه بما هو أكره شيء إليهم، وهم أشدُّ شيء نفرةً عنه. فلهذا يوجب العقل والفطرة والحكمة أن يكونوا أشدَّ شيءٍ نفرةً عما هو نظيره ومشبهه. وبالله التوفيق.
فشبَّه تعالى أعمالَ الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرَّت عليه [١٠٠/أ] ريح شديدة في يوم عاصف، فشبَّه سبحانه أعمالَهم في حُبوطها وذهابها باطلًا كالهباء المنثور، لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان، وكونِها لغير الله ﷿ وعلى غير أمره= برمادٍ طيَّرته الريح العاصف، فلا يقدر صاحبُه على شيء منه وقتَ شدَّةِ حاجته إليه. فلذلك قال: ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾: لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء، فلا يرون له أثرًا من ثواب ولا فائدة نافعة، فإنَّ الله لا
(١) س، ت، ف: "للمحسوس"، وقد غيَّر بعضهم متن ح ليقرأ "للمحسوس".