يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، موافقًا لشرعه.
والأعمال أربعة، فواحد مقبول، وثلاثة مردودة. فالمقبول: الخالص الصواب. فالخالص أن يكون لله لا لغيره، والصواب أن يكون مما شرعه١ على لسان رسوله. والثلاثة المردودة ما خالف ذلك٢.
وفي تشبيهها بالرماد سرّ بديع، وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا. فكانت الأعمال التي لغير الله وعلى غير مراده طُعْمةً للنار، وبها تسعَّر النارُ على أصحابها. وينشئ الله سبحانه لهم من أعمالهم الباطلة نارًا وعذابًا، كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقةِ لأمره ونهيه التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيمًا ورَوْحًا. فأثَّرت النارُ في أعمال أولئك حتى جعلتها رمادًا، فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون الله وقود النار.
فشبَّه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، لأنَّ الكلمة الطيبة تُثمِر العملَ الصالح، والشجرة الطيبة تُثمِر الثمرَ النافع. وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله؛
(١) في النسخ المطبوعة: "شرعه الله"، زيد لفظ الجلالة.
(٢) سيأتي هذا التقسيم للأعمال وبعض التفصيل فيها.
فإنها تُثمر جميعَ الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، فكل عمل صالح يُرضي الله١ ثمرة هذه الكلمة.
وفي "تفسير علي بن أبي طلحة" عن ابن عباس قال: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ شهادة أن لا إله إلا الله، ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وهو المؤمن، ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ قول لا إله إلا الله في قلب المؤمن، ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء٢.
وقال الربيع بن أنس: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ هذا مثل الإيمان، فالإيمان: الشجرة الطيبة. وأصلها الثابت الذي لا يزول: الإخلاص فيه. وفرعه في السماء: خشية الله٣.
والتشبيه على هذا القول أصح، وأظهر، وأحسن. فإنه سبحانه شبَّه شجرةَ التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة، الثابتة الأصل، الباسقة الفرع في السماء علوًّا، التي لا تزال تؤتي ثمرتها كلَّ حين. وإذا تأملتَ هذا التشبيه رأيته مطابقًا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب، التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء، ولا تزال هذه الشجرة تُثمر الأعمالَ الصالحة كلَّ وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه
(١) س، ع، ف: "مرضي لله"، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) رواه ابن جرير في "جامع البيان" (١٣/ ٦٣٥)، وابن المنذر وابن أبي حاتم ــ كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٥٠٩ - ٥١٠) ــ، والطبراني في "الدعاء" (١٥٩٨)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢٠٦).