إعلام الموقعين

فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقِّها١، ومراعاتها حقَّ رعايتها.

[١٠١/أ] فمن رسخت هذه الكلمةُ في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها، واتصف قلبُه بها، وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسنَ صبغةً منها، فعرف حقيقة الإلهية التي يُثبتها قلبُه لله، ويشهد بها لسانه، وتصدِّقها جوارحه؛ ونفى تلك الحقيقةَ ولوازمَها عن كلِّ ما سوى الله، وواطأ قلبُه لسانَه في هذا النفي والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعةً سالكةً سبُلَ ربِّه ذُلُلًا، غيرَ ناكبةٍ عنها ولا باغيةً سواها بدلًا، كما لا يبغي٢ القلبُ سوى معبوده الحقِّ بدلًا. فلا ريب٣ أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الله كلَّ وقت. فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل الصالح إلى الربِّ تعالى، وهذه الكلمة الطيبة تثمر كَلِمًا كثيرًا طيّبًا يقارنه عمل صالح، فيرفع العملُ الصالحُ الكلمَ الطيِّب، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، فأخبر سبحانه أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيِّب، وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملًا صالحًا كلَّ وقت.

والمقصود: أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفًا بمعناها وحقيقتها نفيًا وإثباتًا، متَّصفًا بموجَبها، قائمًا قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته= فهذه الكلمة٤ من هذا الشاهد، أصلها ثابت راسخ في قلبه، وفروعها

  1. (١) في النسخ المطبوعة: "بحقوقها".
  2. (٢) ع: "يبتغي"، وكذا في النسخ المطبوعة.
  3. (٣) ت: "ولا ريب".
  4. (٤) بعدها في النسخ المطبوعة: "الطيبة هي التي رفعت هذا العمل"، وهي زيادة مقحمة.
346

متصلة بالسماء، وهي مُخرِجةٌ لثمرتها كلَّ وقت.

ومن السلف من قال: إن الشجرة الطيبة هي النخلة١. ويدل عليه حديث ابن عمر الصحيح٢.

ومنهم [١٠١/ب] من قال: هي المؤمن نفسه كما قال محمد بن سعد: حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ يعني بالشجرة الطيبة: المؤمنَ، ويعني بالأصل الثابت في الأرض والفرع في السماء: يكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلَّم، فيبلغ قولُه وعملُه٣ السماءَ، وهو في الأرض٤.

وقال عطية العوفي٥: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيِّب وعمل صالح يصعَد إلى الله٦.

  1. (١) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (١٣/ ٦٣٧ - ٦٤٠) عن أنس وابن مسعود ومسروق ومجاهد وعكرمة، وقتادة وغيرهم.
  2. (٢) أخرجه البخاري (١٣١) ومسلم (٢٨١١).
  3. (٣) ع: "عمله وقوله". وكذا في النسخ المطبوعة.
  4. (٤) رواه ابن جرير في "جامع البيان" (١٣/ ٦٣٦) عن محمد بن سعد به، ومحمد هذا هو العوفي، يروي بهذا السند نسخةً كبيرة في التفسير، وفيها مناكير وأوابد.
  5. (٥) في النسخ المطبوعة بعده: "في قوله".
  6. (٦) رواه ابن جرير في "جامع البيان" (١٣/ ٦٣٦).
347

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي