إعلام الموقعين

قال رسول الله ﷺ: "إن الإيمان يَخْلَق في القلب كما يخلَق الثوبُ، فجدِّدوا إيمانكم".

وبالجملة، فالغَرس إن لم يتعاهده صاحبه أوشك أن يهلك. ومن هنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقُب الأوقات، وعظيم رحمته وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده بأن وظَّفها١ عليهم وجعَلَها مادةً لسقي غِراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم.

ومنها: [١٠٢/ب] أن الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه العادة أنه لا بدَّ أن يخالطه دَغَلٌ ونبتٌ غريب ليس من جنسه. فإن تعاهده ربُّه ونقَّاه وقلَعَه كمل الغرس والزرع، واستوى، وتمَّ نباته، وكان أوفر لثمرته وأطيب وأزكى. وإن تركه أوشك أن يغلب على الغِراس٢ والزرع، ويكون الحكم له، أو يُضعِفَ الأصلَ ويجعل الثمرةَ ذميمة ناقصة بحسب كثرته وقلته. ومن لم يكن له فقهُ نفس في هذا ومعرفةٌ به، فاته ربح كثير٣ وهو لا يشعر. فالمؤمن دائمًا سعيُه في شيئين: سقيِ هذه الشجرة، وتنقيةِ ما حولها. فبسقيها تبقى وتدوم، وبتنقية ما حولها تكمل وتتمّ. والله المستعان، وعليه التكلان.

  1. (١) رسمها في س، ح، ت بالضاد، ومن هنا تصحفت في ع، ف إلى "وضعها".
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: "الغرس".
  3. (٣) لم تعجم الكلمة في ح. وفي النسخ المطبوعة: "كبير".
350

فهذا بعض ما تضمَّنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم. ولعلها قطرة من بحر، بحسب أذهاننا الواقفة، وقلوبنا المخبَّطَة١، وعلومنا القاصرة، وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار؛ وإلا فلو طهرت منَّا القلوب، وصَفَت الأذهان، وزَكَت النفوس، وخلَصت الأعمال، وتجرَّدت الهمم للتلقي عن الله ورسوله= لَشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره وحِكَمه ما تضمحلُّ عنده العلوم، وتتلاشى عنده معارف الخلق. وبهذا يُعرف٢ قدرُ علوم الصحابة ومعارفهم، وأن التفاوت الذي بين علومهم وعلوم مَن بعدهم كالتفاوت الذي بينهم في الفضل. والله أعلم حيث يجعل مواقعَ فضله، ومَن يختصّ برحمته.

فصل

ثم ذكر سبحانه مثل الكلمة الخبيثة [١٠٣/أ] فشبَّهها بالشجرة الخبيثة التي اجْتُثَّت من فوق الأرض٣. فلا عرق ثابت، ولا فرع عال، ولا ثمرة

  1. (١) ت: "المخيطة"، تصحيف. وفي طبعات الشيخ محمد محيي الدين ومن تابعه: "المخطئة". وهو خطأ. في "اللسان" (٧/ ٢٨٢): "خَبَطه الشيطان وتخبَّطه: مسَّه بأذًى وأفسده". ولم تنص كتب اللغة على "خبّطَ" بهذا المعنى، وقد استعمله المصنف في قوله في النونيَّة (٢/ ٢٣٧):
    فعليك بالتفصيل والتمييز فَالْـ ... إطلاقُ والإجمالُ دون بيانِ
    قد أفسدا هذا الوجودَ وخبَّطا الْـ ... الأذهانَ والآراءَ كلَّ زمانِ
    وذكر هذا المعنى في "الصواعق المرسلة" (٣/ ٩٢٧)، فقال: "فأصل ضلالِ بني آدم من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة، ولاسيَّما إذا صادفت أذهانًا مخبَّطَةً". فوصف الأذهان بالمخبطة كما وصف هنا القلوب.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: "تعرف".
  3. (٣) في النسخ المطبوعة هنا زيادة: "ما لها من قرار".
351

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي