وقال الربيع بن أنس: مثل الشجرة الخبيثة مثل الكافر، ليس لقوله ولا لعمله أصل ولا فرع، ولا يستقرُّ قوله ولا عمله على الأرض، ولا يصعد إلى السماء١.
وقال سعيد٢ عن قتادة في هذه الآية: إنَّ رجلًا لقي رجلًا من أهل العلم فقال له: ما تقول في الكلمة الخبيثة؟ قال: ما أعلم لها في الأرض مستَقرًّا ولا في السماء مَصْعَدًا، إلا أن تلزم عنقَ صاحبها حتى يوافي بها القيامة٣.
[١٠٣/ب] وقوله: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ أي استُؤْصِلت من فوق الأرض.
ثم أخبر سبحانه عن فضله وعدله في الفريقين أصحاب الكلم الطيب والكلم الخبيث، فأخبر أنه يثبِّت الذين آمنوا بإيمانهم بالقول الثابت أحوجَ ما يكونون إليه في الدنيا والآخرة، وأنه يُضِلُّ الظالمين ــ وهم المشركون ــ عن القول الثابت. فأضلَّ هؤلاء بعدله لظلمهم، وثبَّت المؤمنين بفضله لإيمانهم.
(٢) رواه سعيد بن أبي عروبة في "التفسير"، ومن طريقه ابن جرير في "جامع البيان" (١٣/ ٦٥٥ - ٦٥٦).
(٣) كذا في س، ح، ع. وكذا في "تفسير الطبري" (١٦/ ٥٨٧). وقال الأستاذ محمود شاكر في تعليقه: "في المطبوعة زاد، فقال: يوم القيامة". قلت: وكذا في ت، ف، وفي طبعة هجر من التفسير.
واقتناه١، وأنفق منه= فقد غَنِم. ومن حُرِمَه فقد حُرِم. وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفةَ عين، فإن لم يثبِّته وإلا٢ زالت سماءُ إيمانه وأرضُه عن مكانهما. وقد قال تعالى لأكرمِ خلقه عليه عبدِه ورسولِه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾[الإسراء: ٧٤]. وقال تعالى٣: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾[الأنفال: ١٢]. وفي "الصحيحين"٤ من حديث التجلِّي قال: "وهو يسألهم ويثبِّتهم". وقال تعالى لرسوله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾[هود: ١٢٠].
فالخلق كلّهم قسمان: موفَّق بالتثبيت، ومخذول بترك التثبيت. ومادة التثبيت أصله ومنشؤه من القولِ الثابتِ وفعلِ ما أُمِرَ به العبد، فبهما يثبِّت الله عبدَه، فكلُّ من كان أثبت قولًا وأحسن فعلًا كان أعظم تثبيتًا. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ [١٠٤/أ] بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾[النساء: ٦٦]. فأثبَتُ الناس قلبًا أثبَتُهم قولًا. والقول الثابت هو القول الحق والصدق، وهو ضد القول الباطل الكذب؛ فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له. وأثبَتُ القولِ كلمة التوحيد ولوازمها، فهي أعظم ما يثبِّت الله بها
(١) في النسخ المطبوعة: "واقتناءه"، والرسم محتمل.
(٢) "وإلا" واقعة هنا في غير موقعها، فإن المعنى: فإن لم يثبِّته زالت. وقد سبق مثله قريبًا، فانظر ما علَّقت عليه.
(٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: "لأكرم خلقه".
(٤) لم يرد فيهما هذا اللفظ. وقد أخرجه الإمام أحمد (٨٨١٧) والترمذي (٢٥٥٧) ــ وصحّحه ــ من حديث أبي هريرة، وفيهما: "وهو يأمرهم ويثبِّتهم". واللفظ المذكور هنا ورد في "مجموع الفتاوى" (٢/ ٣٤٢) و(١٧، ٣٠٩).