إعلام الموقعين

عبدَه في الدنيا والآخرة. ولهذا ترى الصادقَ من أثبت الناس وأشجعهم قلبًا، والكاذبَ من أمهَن الناس وأجبَنهم، وأكثرهم تلوُّنًا وأقلِّهم ثباتًا.

وأهلُ الفراسة يعرفون صدقَ الصادق من ثبات قلبه وقتَ الاختبار١ وشجاعته ومهابته، ويعرفون كذب الكاذب بضدِّ ذلك، ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة. وسئل بعضهم عن كلامٍ سمعه من متكلِّم به، فقال: والله ما فهمتُ منه شيئًا، إلا أنِّي رأيتُ لكلامه صولةً ليست بصولة مبطِل٢.

فما مُنِح العبد منحةً أفضلَ من منحة القول الثابت. ويجد أهلُ القول الثابت ثمرتَه أحوجَ ما يكونون إليه في قبورهم ويوم معادهم، كما في "صحيح مسلم"٣ من حديث البراء بن عازب عن النبي ﷺ أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر.

وقد جاء هذا مبيَّنًا في أحاديث صحاح. فمنها: ما في "المسند"٤ من حديث داود بن أبي هند، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد قال: كنَّا مع النبي ﷺ في جنازة، فقال: "يا أيها الناس إن هذه الأمة تُبتلَى في قبورها، فإذا الإنسان دُفِن وتفرَّق عنه أصحابه جاءه ملَكٌ بيده مِطراقٌ، فأقعده، فقال: ما تقول في

  1. (١) كذا في جميع النسخ إلا ع إذ سقط منها: "من ثبات ... ومهابته". وفي طبعة الشيخ محمد محيي الدين: "الإخبار" وهو أشبه.
  2. (٢) حكى القشيري في رسالته (٢/ ٥٧٢) أن أبا العباس ابن سريج الفقيه حضر مجلس الجنيد، وسمع كلامه، فسئل عنه، فقال.
  3. (٣) برقم (٢٨٧١)، وأخرجه البخاري (٤٦٦٩).
  4. (٤) برقم (١١٠٠٠). وصححه المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤/ ١٩٤)، والسيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٥٢٧). وقال ابن كثير في "التفسير" (٤/ ٤٩٨): "إسنادٌ لا بأس به".
355

هذا [١٠٤/ب] الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فيقول له: صدقتَ. فيُفتَح له بابٌ إلى النار، فيقال له: هذا منزلك لو كفرتَ بربِّك. فأمَّا إذ آمنتَ فإنَّ الله أبدلك به هذا. ثم يُفتَح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض له، فيقال له: اسكن. ثم يُفسَح له في قبره. وأما الكافر والمنافق، فيقال له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريتَ ولا تدرَّيتَ١ ولا اهتديتَ! ثم يُفتَح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنتَ بربِّك. فأما إذ كفرتَ فإنَّ الله أبدلك به هذا. ثم يُفتَح له باب إلى النار، ثم يَقمَعُه الملَك بالمِطراق٢

قَمْعةً يسمعه خلقُ الله كلُّهم إلا الثقلين". قال بعض أصحابه: يا رسول الله، ما منَّا من أحد يقوم على رأسه ملَكٌ بيده مِطراق إلا هِيلَ٣ عند ذلك. فقال رسول الله ﷺ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].

  1. (١) كذا في س، ح، ت، ف. وهو ساقط من ع والنسخ المطبوعة. واللفظ المشهور: "ولا تليتَ". ولفظ "تدرَّيت" هو الوارد في مخطوطة "تفسير الطبري"، فأثبته الأستاذ محمود شاكر (١٦/ ٥٩٣)، وفسَّره بأنه "تفعَّل من دَرَى، أي طلبت الدراية" وكذا في "الهداية إلى بلوغ النهاية" (٥/ ٣٨١٣) لمكي بن أبي طالب، ولعله صادر عن الطبري. وقد ورد اللفظ في مخطوطة "السنة" لابن أبي عاصم أيضًا، ولكن المحقق خالف الأصل ووضع في المتن مكانه: "ولا تليت"، وذكر في تعليقه (١/ ٥٩٨ - الجوابرة) أن "التصويب من كشف الأستار ومسند أحمد"!
  2. (٢) نبَّه الأستاذ محمود شاكر على أن كتب اللغة لم تذكر "المطراق" ..
  3. (٣) أي فزع وخاف.
356

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي