فعلُ الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه. فيؤتى من عند رأسه، فتقول الصلاة: ما قِبَلي مدخَل. فيؤتى عن يمينه، فتقول الزكاة: ما قِبَلي مدخَل. فيؤتى عن يساره، فيقول الصيام: ما قِبَلي مدخَل. فيؤتى من عند رجليه، فيقول فعلُ الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قِبَلي مدخل. فيقال له: اجلِسْ، فيجلس، قد مُثِّلتْ له الشمسُ قد دنت للغروب. فيقال له: أخبِرنا عمَّا نسألك عنه، فيقول: دعوني حتى أصلِّي. فيقال: إنك ستفعل، فأخبِرْنا عمَّا نسألك، فيقول: وعمَّ تسألوني؟ فيقال له: أرأيتَ هذا الرجلَ الذي كان فيكم، ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أمحمد ﷺ؟ فيقال: نعم. فيقول: أشهد أنه رسول الله، وأنه جاء بالبينات من عند الله، فصدَّقناه. فيقال له: على ذلك حَيِيتَ، وعلى ذلك مِتَّ، وعلى ذلك تُبعَث إن شاء الله. ثم يُفسَح له في قبره سبعون ذراعًا، وينوَّر له فيه. ثم يُفتَح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى ما أعدَّ الله لك فيها، فيزداد غبطةً وسرورًا. ثم تُجعَل نَسَمتُه في النَّسَم الطيب، وهي طير خضر تعلَّق بشجر الجنة، ويعاد الجسدُ إلى ما بُدِئ١ منه من التراب. وذلك قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي [١٠٦/أ] الْآخِرَةِ﴾.
ولا تستطِل هذا الفصلَ المعترضَ، فالمفتي٢ والشاهد والحاكم بل
(١) س، ع، ف: "بدا"، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي "تفسير الطبري" كما أثبت من ح، ت.
(٢) في النسخ المطبوعة: "في المفتي"، وهو غلط مفسد للسياق.
وكلُّ مسلم أشدُّ ضرورةً إليه من الطعام والشراب والنفَس. وبالله التوفيق.
فتأمَّلْ هذا المثلَ ومطابقتَه لحال من أشرك بالله، وتعلَّق بغيره. ويجوز لك في هذا التشبيه أمران١:
أحدهما: أن تجعله تشبيهًا مركَّبًا، ويكون قد شبَّه من أشرك بالله وعبَد معه غيرَه برجل قد تسبَّب إلى هلاك نفسه هلاكًا لا يرجى معه نجاة، فصوَّر حالَه بصورة حالِ مَن خرَّ من السماء، فاختطفته الطير في الهواء٢، فتفرَّق مُزَعًا٣ في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى٤ هَوَتْ به في بعض المطارح٥ البعيدة. وعلى هذا لا يُنظر٦ إلى كلِّ فرد من أفراد المشبَّه ومقابِله من المشبَّه به.
(١) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٣/ ١٥٥).
(٢) رسمه في النسخ الخطية والمطبوعة: "الهوى".
(٣) المُزْعة والمِزْعة من اللحم: قطعة يسيرة منه. وفي ع: "فتمزق مزعًا" وكذا في المطبوع. وفي طبعة الشيخ محمد محيي الدين ومَن تبعه: "فتمزق مزقًا". وفي "الكشاف" ــ والمصنف صادر عنه ــ كما أثبتنا من النسخ ما عدا ع.
(٤) كذا في ع و"الكشاف". وفي النسخ الأخرى: "حين"، تصحيف.