فتأمَّلْ هذا المثلَ ومطابقتَه لحال من أشرك بالله، وتعلَّق بغيره. ويجوز لك في هذا التشبيه أمران١:
أحدهما: أن تجعله تشبيهًا مركَّبًا، ويكون قد شبَّه من أشرك بالله وعبَد معه غيرَه برجل قد تسبَّب إلى هلاك نفسه هلاكًا لا يرجى معه نجاة، فصوَّر حالَه بصورة حالِ مَن خرَّ من السماء، فاختطفته الطير في الهواء٢، فتفرَّق مُزَعًا٣ في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى٤ هَوَتْ به في بعض المطارح٥ البعيدة. وعلى هذا لا يُنظر٦ إلى كلِّ فرد من أفراد المشبَّه ومقابِله من المشبَّه به.
(١) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٣/ ١٥٥).
(٢) رسمه في النسخ الخطية والمطبوعة: "الهوى".
(٣) المُزْعة والمِزْعة من اللحم: قطعة يسيرة منه. وفي ع: "فتمزق مزعًا" وكذا في المطبوع. وفي طبعة الشيخ محمد محيي الدين ومَن تبعه: "فتمزق مزقًا". وفي "الكشاف" ــ والمصنف صادر عنه ــ كما أثبتنا من النسخ ما عدا ع.
(٤) كذا في ع و"الكشاف". وفي النسخ الأخرى: "حين"، تصحيف.
(٥) في "الكشاف": "المطاوح" بالواو.
(٦) في النسخ المطبوعة: "لا تُنظر".
والثاني: أن يكون من التشبيه المفرَّق، فيقابَل كلُّ واحد من أجزاء الممثَّل بالممثَّل به. وعلى هذا فيكون قد شبَّه الإيمان والتوحيد في علوِّه وسعتِه وشرفِه بالسماء التي هي مصعَده ومهبِطه، فمنها يهبط إلى الأرض، وإليها يصعد منها. وشبَّه تاركَ الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين حيثُ١ التضييقُ٢ الشديدُ والآلامُ المتراكمةُ، والطيرَ التي٣ تتخطَّف٤ أعضاءه، وتُمزِّقه كلَّ ممزَّق [١٠٦/ب] بالشياطين التي يرسلها الله سبحانه عليه وتؤزُّه أزًّا، وتزعجه، وتقلقه إلى مظانِّ هلاكه. فكلُّ شيطان له مُزْعةٌ من دينه وقلبه، كما أنَّ لكلِّ طير مُزْعةً من لحمه وأعضائه. والريحُ التي تهوي به في مكان سحيق هو هواه٥ الذي يحمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السماء.
(٣) في النسخ كلِّها: "الذي"، ولكن الفعلين بعده مؤنثان، وتأنيث الطير أكثر من تذكيره. وكذا "التي" في المطبوع. وقد ضُبط "الطيرُ" بالرفع في المطبوع تبعًا للشيخ محمد محيي الدين، والصواب أنه منصوب لعطفه على "تاركَ"، يعني: وشبَّه الطيرَ بالشياطين، وإن قلب المصنف التشبيه، إذ حقُّه أن يقول: وشبَّه الشياطينَ بالطير.
(٤) في النسخ المطبوعة: "تخطف".
(٥) في "الكشاف" أن الريح هي الشيطان، والطير المختطفة هي الأهواء التي تتوزع أفكاره.