حقيقٌ على كلِّ عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل، ويتدبَّره حقَّ تدبُّره، فإنه يقطع موادَّ الشرك من قلبه. وذلك أن المعبود أقلُّ درجاته أن يقدر على إيجادِ ما ينفع عابده وإعدامِ ما يضرُّه، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق ذبابٍ١ ولو اجتمعوا كلُّهم لخلقه، فكيف ما هو أكبر منه؟ ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طِيب ونحوه، فيستنقذوه منه. فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان٢، ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم٣ إياه. فلا أعجزَ من هذه الآلهة، ولا أضعفَ منها، فكيف يستحسِن عاقلٌ عبادتها من دون الله؟
وهذا المثل من أبلغِ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك، وتجهيل أهله، وتقبيح عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد [١٠٧/أ] تلاعَب بهم أعظمَ من تلاعُب الصبيان بالكُرة، حيث أعطوا الإلهية التي من بعض لوازمها القدرةُ على جميع المقدورات، والإحاطةُ بجميع المعلومات، والغنى عن جميع المخلوقات، وأن يُصمَد إلى الربِّ في جميع الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإجابة الدعوات= فأعطوها٤ صورًا وتماثيلَ
(١) في النسخ المطبوعة: "الذباب".
(٢) في النسخ المطبوعة: "الحيوانات".
(٣) ع: "يسلبهم".
(٤) يعني: الإلهية.
يمتنع عليها القدرةُ على أقلِّ مخلوقات الإله الحقِّ وأذلِّها، وأصغرِها وأحقرها، ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه.
وأدلُّ من ذلك على عجزهم وانتفاء إلهيتهم أنَّ هذا الخلق الأقلَّ الأذلَّ العاجزَ الضعيفَ لو اختطف منهم شيئًا واستلبه، فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه= لعجزوا عن ذلك، ولم يقدروا عليه١.
ثم سوَّى بين العابد والمعبود في الضعف والعجز بقوله: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. قيل: الطالب: العابد. والمطلوب: المعبود؛ فهو عاجز متعلِّق بعاجز! وقيل: هو تسوية بين السالب والمسلوب، وهو تسوية بين الإله والذباب في الضعف والعجز. وعلى هذا فقيل: الطالب: الإله الباطل. والمطلوب: الذباب، يطلب منه ما استنقذه٢ منه. وقيل: الطالب: الذباب. والمطلوب: الإله، فالذباب يطلب منه ما يأخذه مما عليه٣. والصحيح: أن اللفظ يتناول الجميعَ، فضعُفَ العابدُ والمعبودُ، والمستلِب [والمستلَب]٤. فمَن جعل هذا إلهًا مع القوي العزيز، فما قدَره حقَّ قَدْره، ولا عرَفَه حقَّ معرفته، ولا عظَّمه حقَّ تعظيمه٥.
(١) انظر: "الكشاف" (٣/ ١٧١).
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية. وفي النسخ المطبوعة: "استلبه"، وهو مقتضى السياق.
(٣) انظر: "زاد المسير" (٣/ ٢٥٠).
(٤) ما بين المعقوفين من النسخ المطبوعة.
(٥) وانظر في الكلام على هذا المثل: "الداء والدواء" (ص ٣٢١) و"الصواعق المرسلة": (٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧) و(٤/ ١٣٦٣) و"مفتاح دار السعادة" (٢/ ٨٨٠).