قال سيبويه١: المعنى: ومثَلُك يا محمد ومثَلُ الذين كفروا كمثَل الناعق والمنعوق به. وعلى قوله، فيكون المعنى: ومثل الذين كفروا وداعيهم كمثل الغنم والناعق بها. ولك أن تجعل هذا من التشبيه المركَّب، وأن تجعله من التشبيه المفرَّق. فإن جعلته من المركَّب كان تشبيهًا للكفار في عدم فقههم وانتفاعهم بالغنم التي ينعِق بها الراعي، فلا تفقه من قوله شيئًا غيرَ الصوت المجرَّد الذي هو الدعاء والنداء. وإن جعلته من التشبيه المفرَّق فالذين كفروا بمنزلة البهائم، وداعيهم٢ إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعيق، وإدراكُهم مجرَّدَ الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرَّدَ صوت الناعق٣. والله أعلم.
شبَّه سبحانه نفقةَ المنفِق في سبيله ــ سواء كان المراد به الجهاد أو جميع سُبل الخير من كلِّ بِرٍّ ــ بمن بذَر بَذْرًا، فأنبتت كلُّ حبة منه سبعَ سنابل، اشتملت كلُّ سنبلة على مائة حبة. والله يضاعف فوق ذلك لمن يشاء٤،
(١) في "الكتاب" (١/ ٢١٢)، ولكن النقل من "البحر" (٢/ ١٠٦).
(٢) في النسخ: "ودعايهم"، ولعله تحريف ما أثبت، وفي النسخ المطبوعة: "ودعاء داعيهم" وزيادة "دعاء" يختل بها السياق.
(٣) وانظر: "مفتاح دار السعادة" (١/ ٢١٨).
(٤) ت: "لمن يشاء فوق ذلك". وفي ع: "يضاعف ذلك" بإسقاط "لمن يشاء فوق".
بحسب حال المنفِق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه، ونفعِ نفقته وقدرها ووقوعها موقعها. فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان، والإخلاص، والتثبيت عند النفقة. وهو إخراج المال [١٠٨/ب] بقلب ثابت قد انشرح صدرُه بإخراجه، وسمحت به نفسُه، وخرج من قلبه قبلَ خروجه من يده. فهو ثابت القلب١ عند إخراجه، غيرُ جَزِع ولا هَلِع، ولا مُتْبِعَه نفسَه، ترجُف يده وفؤاده٢. ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق ومصارفه لمواقعه٣، وبحسب طيب المنفق وزكاته٤.
وتحت هذا المثل من الفقه أنه سبحانه شبَّه الإنفاق بالبذر، فالمنفقُ مالَه الطيِّبَ لله لا لغيره باذرٌ مالَه في أرض زكية. فمُغَلُّه٥ بحسب بَذْرِه، وطيبِ أرضه، وتعاهُدِ البذر بالسقي، ونفيِ الدَّغَل٦
والنباتِ الغريب عنه. فإذا اجتمعت هذه الأمور، ولم تُحرق الزرعَ نارٌ، ولا لحقته جائحةٌ= جاء أمثالَ الجبال. وكان مثله ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾[البقرة: ٢٦٥] وهي المكان المرتفع
(٤) وانظر في تفسير المثل أيضًا: "طريق الهجرتين" (٢/ ٧٩٢ - ٧٩٤).
(٥) في طبعة الشيخ محمد محيي الدين: "فمغلة". وفي المطبوع: "فمَغِلَّه" بكسر الغين وفتح اللام. والصواب ما أثبت. والمُغَلُّ اسم المفعول من أغلَّت الضَّيعة، فهو بمعنى الغلَّة. وقد كثر استعماله في كتب شيخ الإسلام والمصنف وفقهاء الشافعية والحنابلة في القرن السابع وبعده.
(٦) يعني به: النباتات الطفيلية التي تنبت حول الزرع وتزاحمه. قال في نونيّته (٣/ ٨٤٧): كالزرع ينبت حوله دَغَلٌ فيَمْـ ... نَعُه النَّما فتراه ذا نقصان